فصل: تفسير الآيات رقم (98- 105)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير النسفي المسمى بـ «مدارك التنزيل وحقائق التأويل» ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏82- 85‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ‏(‏82‏)‏ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ ‏(‏83‏)‏ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ‏(‏84‏)‏ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ‏(‏85‏)‏‏}‏

‏{‏والذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أولئك أصحاب الجنة هُمْ فِيهَا خالدون * وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاق بَنِى إسراءيل‏}‏ الميثاق العهد المؤكد غاية التأكيد ‏{‏لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ الله‏}‏ إخبار في معنى النهي كما تقول تذهب إلى فلان تقول له كذا تريد الأمر‏.‏ وهو أبلغ من صريح الأمر والنهي لأنه كأنه سورع إلى الامتثال والانتهاء وهو يخبر عنه، وتنصره قراءة أبيّ «لا تعبدوا»، وقوله «وقولوا» والقول مضمر‏.‏ «لا يعبدون»‏:‏ مكي وحمزة وعلي لأن بني إسرائيل اسم ظاهر والأسماء الظاهرة كلها غيب‏.‏ ومعناه أن لا يعبدوا فلما حذفت «أن» رفع‏.‏ ‏{‏وبالوالدين إحسانا‏}‏ أي وأحسنوا ليلتئم عطف الأمر وهو قوله «وقولوا» عليه‏.‏ ‏{‏وَذِي القربى‏}‏ القرابة ‏{‏واليتامى‏}‏ جمع يتيم وهو الذي فقد أباه قبل الحلم إلى الحلم لقوله عليه السلام ‏"‏ لا يتم بعد البلوغ ‏"‏ ‏{‏والمساكين‏}‏ جمع مسكين وهو الذي أسكنته الحاجة‏.‏ ‏{‏وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا‏}‏ قولاً هو حسن في نفسه لإفراط حسنه‏.‏ «حسناً»‏:‏ حمزة وعلي‏.‏ ‏{‏وَأَقِيمُواْ الصلاة وَءَاتُواْ الزكواة ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ‏}‏ عن الميثاق ورفضتموه ‏{‏إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ‏}‏ قيل‏:‏ هم الذين أسلموا منهم ‏{‏وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ‏}‏ وأنتم قوم عادتكم الإعراض والتولية، عن المواثيق‏.‏

‏{‏وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقكم لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مّن دياركم‏}‏ أي لا يفعل ذلك بعضكم ببعض‏.‏ جعل غير الرجل نفسه إذ اتصل به أصلاً أو ديناً‏.‏ وقيل‏:‏ إذا قتل غيره فكأنما قتل نفسه لأنه يقتص منه ‏{‏ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ‏}‏ بالميثاق واعترفتم على أنفسكم بلزومه ‏{‏وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ‏}‏ عليها كما تقول‏:‏ فلان مقر على نفسه بكذا شاهد عليها‏.‏ أو وأنتم تشهدون اليوم يا معشر اليهود على إقرار أسلافكم بهذا الميثاق ‏{‏ثُمَّ أَنتُمْ هؤلاء‏}‏ استبعاد لما أسند إليهم من القتل والإجلاء والعدوان بعد أخذ الميثاق منهم وإقرارهم وشهادتهم‏.‏ «أنتم» مبتدأ و«هؤلاء» بمعنى «الذين» ‏{‏تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ‏}‏ صلة «»«هؤلاء»‏.‏ و«هؤلاء» مع صلته خبراً «أنتم» ‏{‏وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مّنكُم مّن ديارهم‏}‏ غير مراقبين ميثاق الله ‏{‏تظاهرون علَيْهِم‏}‏ بالتخفيف كوفي أي تتعاونون‏.‏ وبالتشديد غيرهم‏.‏ فمن خفف فقد حذف إحدى التائين‏.‏ ثم قيل‏:‏ هي الثانية لأن الثقل بها‏.‏ وقيل‏:‏ الأولى‏.‏ ومن شدد قلب التاء الثانية ظاء وأدغم‏.‏ ‏{‏بالإثم والعدوان‏}‏ بالمعصية والظلم‏.‏ ‏{‏وَإِن يَأْتُوكُمْ أسارى تفادوهم‏}‏ «تفدوهم»‏:‏ أبو عمرو‏.‏ «أسرى تفدوهم» مكي وشامي‏.‏ «أسرى تفدوهم»‏:‏ حمزة «أسارى تفادوهم»‏:‏ علي‏.‏ فدى وفادى بمعنى‏.‏ و«أسارى» حال وهو جمع أسير وكذلك أسرى‏.‏ والضمير في ‏{‏وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ‏}‏ للشأن أو هو ضمير مبهم تفسيره ‏{‏إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب‏}‏ بفداء الأسرى‏.‏ ‏{‏وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ‏}‏ بالقتال والإجلاء‏.‏ قال السدي‏:‏ أخذ الله عليكم أربعة عهود ترك القتل وترك الإخراج وترك المظاهرة وفداء الأسير فأعرضوا عن كل ما أمروا به إلا الفداء‏.‏ ‏{‏فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذلك‏}‏ هو إشارة إلى الإيمان ببعض والكفر ببعض ‏{‏مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ‏}‏ فضيحة وهوان ‏{‏فِي الحياة الدنيا وَيَوْمَ القيامة يُرَدُّونَ إلى أَشَدِّ العذاب‏}‏ وهو الذي لا روح فيه ولا فرح أو إلى أشد من عذاب الدنيا ‏{‏وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ‏}‏ بالياء مكي ونافع وأبو بكر‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏86- 91‏]‏

‏{‏أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ‏(‏86‏)‏ وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ‏(‏87‏)‏ وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ ‏(‏88‏)‏ وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ‏(‏89‏)‏ بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ ‏(‏90‏)‏ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ‏(‏91‏)‏‏}‏

‏{‏أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة‏}‏ اختاروها على الآخرة اختيار المشتري ‏{‏فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ‏}‏ ولا ينصرهم أحد بالدفع عنهم‏.‏ ‏{‏وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا موسى الكتاب‏}‏ التوراة‏.‏ أتاه جملة ‏{‏وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بالرسل‏}‏ يقال‏:‏ قفاه إذا اتبعه من القفا نحو ذنبه من الذنب وقفاه به إذا أتبعه إياه‏.‏ يعني وأرسلنا على أثره الكثير من الرسل وهم يوشع واشمويل وشمعون وداود وسليمان وشعياء وأرمياء وعزير وحزقيل وإلياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى وغيرهم‏.‏ صلوات الله عليهم ‏{‏وآتينا عيسى ابن مريم البينات‏}‏ هي بمعنى الخادم، ووزن مريم عند النحويين «مفعل» لأن «فعيلاً» لم يثبت في الأبنية، البينات المعجزات الواضحات كإحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص والإخبار بالمغيبات‏.‏ ‏{‏وأيدناه بِرُوحِ القدس‏}‏ أي الطهارة وبالسكون حيث كان‏:‏ مكي‏.‏ أي بالروح المقدسة كما يقال «حاتم الجود» ووصفها بالقدس للاختصاص والتقريب‏.‏ أو بجبريل عليه السلام لأنه يأتي بما فيه حياة القلوب، وذلك لأنه رفعه إلى السماء حين قصد اليهود قتله‏.‏ أو بالإنجيل كما قال في القرآن ‏{‏رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 52‏]‏، أو باسم الله الأعظم الذي كان يحيي الموتى بذكره‏.‏ ‏{‏أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى‏}‏ تحب ‏{‏أَنفُسُكُم استكبرتم‏}‏ تعظمتم عن قبوله ‏{‏فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ‏}‏ كعيسى ومحمد عليهما السلام ‏{‏وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ‏}‏ كزكريا ويحيى عليهما السلام‏.‏ ولم يقل قتلتم لوفاق الفواصل، أو لأن المراد وفريقاً تقتلونه بعد لأنكم تحومون حول قتل محمد عليه السلام لولا أني أعصمه منكم ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة‏.‏ والمعنى ولقد آتينا يا بني إسرائيل أنبياءكم ما آتيناهم فكلما جاءكم رسول منهم بالحق استكبرتم عن الإيمان به، فوسط ما بين الفاء وما تعلقت به همزة التوبيخ والتعجب من شأنهم‏.‏ ‏{‏وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ‏}‏ جمع أغلف أي هي خلقة مغشاة بأغطية لا يتوصل إليها ما جاء به محمد عليه السلام ولا تفقهه، مستعار من الأغلف الذي لا يختن ‏{‏بَل لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ‏}‏ فرد الله أن تكون قلوبهم مخلوقة كذلك لأنها خلقت على الفطرة والتمكن من قبول الحق، وإنما طردهم بكفرهم وزيغهم‏.‏ ‏{‏فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ‏}‏ ف «قليلاً» صفة مصدر محذوف أي فإيماناً قليلاً يؤمنون‏.‏ و«ما» مزيدة وهو إيمانهم ببعض الكتاب‏.‏ وقيل‏:‏ القلة بمعنى العدم‏.‏ غلف تخفيف غلف وقرئ به جمع غلاف أي قلوبنا أوعية للعلوم فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره، أو أوعية للعلوم فلو كان ما جئت به حقاً لقبلنا‏.‏

‏{‏وَلَمَّا جَاءَهُمُ‏}‏ أي اليهود ‏{‏كتاب مّنْ عِندِ الله‏}‏ أي القرآن ‏{‏مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ‏}‏ من كتابهم لا يخالفه ‏{‏وَكَانُواْ مِن قَبْلُ‏}‏ يعني القرآن ‏{‏يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الذين كَفَرُواْ‏}‏ يستنصرون على المشركين إذا قاتلوهم قالوا‏:‏ اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد نعته في التوراة، ويقولون لأعدائهم المشركين‏:‏ قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وإرم‏.‏

‏{‏فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ‏}‏ «ما» موصولة أي ما عرفوه وهو فاعل «جاء»‏.‏ ‏{‏كَفَرُواْ بِهِ‏}‏ بغياً وحسداً وحرصاً على الرياسة‏.‏ ‏{‏فَلَعْنَةُ الله عَلَى الكافرين‏}‏ أي عليهم وضعاً للظاهر موضع المضمر للدلالة على أن اللعنة لحقتهم لكفرهم‏.‏ واللام للعهد أو للجنس ودخلوا فيه دخولاً أولياً، وجواب «لما» الأولى مضمر وهو نحو كذبوا به أو أنكروه، أو كفروا جواب الأولى والثانية لأن مقتضاهما واحد‏.‏ و«ما» في ‏{‏بِئْسَمَا‏}‏ نكرة موصوفة مفسرة لفاعل بئس أي بئس شيئاً ‏{‏اشتروا بِهِ أَنفُسَهُمْ‏}‏ أي باعوه والمخصوص بالذم‏.‏ ‏{‏أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنزَلَ الله‏}‏ يعني القرآن‏.‏ ‏{‏بَغِيّاً‏}‏ مفعول له أي حسداً وطلباً لما ليس لهم، وهو علة اشتروا ‏{‏أَن يُنَزِّلَ الله‏}‏ لأن ينزل‏.‏ أو على أن ينزل أي حسدوه على أن ينزل الله‏.‏ ‏{‏مِن فَضْلِهِ‏}‏ الذي هو الوحي ‏{‏على مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ‏}‏ وهو محمد عليه السلام‏.‏ ‏{‏فَبَآءُو بِغَضَبٍ على غَضَبٍ‏}‏ فصاروا أحقاء بغضب مترادف لأنهم كفروا بنبي الحق وبغوا عليه أو كفروا بمحمد بعد عيسى عليهما السلام، أو بعد قولهم عزيز ابن الله وقولهم يد الله مغلولة وغير ذلك‏.‏ ‏{‏وللكافرين عَذَابٌ مُّهِينٌ‏}‏ مذل‏.‏ «بئسما» وبابه غير مهموز‏:‏ أبو عمرو‏.‏ و«ينزل» بالتخفيف‏:‏ مكي وبصري‏.‏ ‏{‏وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ‏}‏ لهؤلاء اليهود‏.‏ ‏{‏آمِنُواْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ‏}‏ يعني القرآن، أو مطلق يتناول كل كتاب ‏{‏قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا‏}‏ أي التوراة‏.‏ ‏{‏وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ‏}‏ أي قالوا ذلك والحال أنهم يكفرون بما وراء التوراة‏.‏ ‏{‏وَهُوَ الحق مُصَدِّقًا لّمَا مَعَهُمْ‏}‏ غير مخالف له وفيه رد لمقالتهم لأنهم إذا كفروا بما يوافق التوراة فقد كفروا بها، و«مصدقاً» حال مؤكدة‏.‏ ‏{‏قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ الله‏}‏ أي فلم قتلتم فوضع المستقبل موضع الماضي ويدل عليه قوله ‏{‏مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ‏}‏ أي من قبل محمد عليه السلام، اعتراض عليهم بقتلهم الأنبياء مع ادعائهم الإيمان بالتوراة والتوراة لا تسوغ قتل الأنبياء‏.‏ قيل‏:‏ قتلوا في يوم واحد ثلثمائة نبي في بيت المقدس‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏92- 97‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ‏(‏92‏)‏ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ‏(‏93‏)‏ قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآَخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏94‏)‏ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ‏(‏95‏)‏ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ‏(‏96‏)‏ قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ‏(‏97‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَقَدْ جَاءَكُم موسى بالبينات‏}‏ بالآيات التسع وأدغم الدال في الجيم حيث كان أبو عمرو وحمزة وعلي‏.‏ ‏{‏ثُمَّ اتخذتم العجل‏}‏ إلهاً ‏{‏مِن بَعْدِهِ‏}‏ من بعد خروج موسى عليه السلام إلى الطور‏.‏ ‏{‏وَأَنتُمْ ظالمون‏}‏ هو حال أي عبدتم العجل وأنتم واضعون العبادة غير موضعها، أو اعتراض أي وأنتم قوم عادتكم الظلم‏.‏ ‏{‏وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقكم وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور خُذُواْ ما آتيناكُمْ بِقُوَّةٍ‏}‏ كرر ذكر رفع الطور لما نيط به من زيادة ليست مع الأولى‏.‏ ‏{‏واسمعوا‏}‏ ما أمرتم به في التوراة‏.‏ ‏{‏قَالُواْ سَمِعْنَا‏}‏ قولك ‏{‏وَعَصَيْنَا‏}‏ أمرك وطابق قوله جوابهم من حيث إنه قال لهم اسمعوا وليكن سماعكم سماع تقبل وطاعة فقالوا سمعنا ولكن لا سماع طاعة‏.‏ ‏{‏وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ العجل‏}‏ أي تداخلهم حبه والحرص على عبادته كما يتداخل الصبغ الثوب، وقوله‏:‏ «في قلوبهم»، بيان لمكان الإشراب والمضاف وهو الحب محذوف‏.‏ ‏{‏بِكُفْرِهِمْ‏}‏ بسبب كفرهم واعتقادهم التشبيه‏.‏ ‏{‏قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إيمانكم‏}‏ بالتوراة لأنه ليس في التوراة عبادة العجل، وإضافة الأمر إلى إيمانهم تهكم وكذا إضافة الإيمان اليهم‏.‏ ‏{‏إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ‏}‏ تشكيك في إيمانهم وقدح في صحة دعواهم له‏.‏ ‏{‏قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدار الآخرة‏}‏ أي الجنة‏.‏ ‏{‏عَندَ الله‏}‏ ظرف، و«لكم» خبر «كان» ‏{‏خَالِصَةً‏}‏ حال من الدار الآخرة أي سالمة لكم ليس لأحد سواكم فيها حق يعني إن صح قولكم لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً ‏{‏مّن دُونِ الناس‏}‏ هو للجنس‏.‏ ‏{‏فَتَمَنَّوُاْ الموت إِن كُنْتُمْ صادقين‏}‏ فيما تقولون لأن من أيقن أنه من أهل الجنة اشتاق إليها تخلصاً من الدار ذات الشوائب كما نقل عن العشرة المبشرين بالجنة أن كل واحد منهم كان يحب الموت ويحن إليه‏.‏ ‏{‏وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا‏}‏ هو نصب على الظرف أي لن يتمنوه ما عاشوا ‏{‏بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ‏}‏ بما أسلفوا من الكفر بمحمد عليه السلام وتحريف كتاب الله وغير ذلك وهو من المعجزات لأنه إخبار بالغيب وكان كما أخبر به كقوله ‏{‏وَلَن تَفْعَلُواْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 24‏]‏، ولو تمنوه لنقل ذلك كما نقل سائر الحوادث‏.‏ ‏{‏والله عَلِيمٌ بالظالمين‏}‏ تهديد لهم‏.‏

‏{‏وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الناس‏}‏ مفعولاً وجد- «هم»- و«أحرص»- ‏{‏على حياة‏}‏ التنكير يدل على أن المراد حياة مخصوصة وعلى الحياة المتطاولة ولذا كانت القراءة بها أوقع من قراءة «أبي» على الحياة ‏{‏وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ‏}‏ هو محمول على المعنى لأن معنى أحرص الناس أحرص من الناس، نعم قد دخل الذين أشركوا تحت الناس ولكنهم أفردوا بالذكر لأن حرصهم شديد كما أن جبريل وميكائيل خصا بالذكر وإن دخلا تحت الملائكة، أو أريد وأحرص من الذين أشركوا فحذف لدلالة أحرص الناس عليه، وفيه توبيخ عظيم لأن الذين أشركوا لا يؤمنون بعاقبة ولا يعرفون إلا الحياة الدنيا، فحرصهم عليها لا يستبعد لأنها جنتهم فإذا زاد في الحرص من له كتاب وهو مقر بالجزاء كان حقيقاً بأعظم التوبيخ، وإنما زاد حرصهم على الذين أشركوا لأنهم علموا أنهم صائرون إلى النار لعلمهم بحالهم والمشركون لا يعلمون ذلك‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ‏}‏ بيان لزيادة حرصهم على طريق الاستئناف‏.‏ وقيل‏:‏ أراد بالذين أشركوا المجوس لأنهم كانوا يقولون لملوكهم عش ألف نيروز‏.‏ وعن ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ هو قول الأعاجم زي هزارسال‏.‏ وقيل‏:‏ «ومن الذين أشركوا» كلام مبتدأ أي ومنهم ناسٌ يود أحدهم على حذف الموصوف، والذين أشركوا على هذا مشار به إلى اليهود لأنهم قالوا عزيز ابن الله‏.‏ والضمير في ‏{‏وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العذاب‏}‏ لأحدهم‏.‏ وقوله ‏{‏أَن يُعَمَّرَ‏}‏ فاعل «بمزحزحه» أي وما أحدهم بمن يزحزحه من النار تعميره، ويجوز أن يكون «هو» مبهماً و«أن يعمر» موضحه‏.‏ والزحزحة التبعيد والإنحاء‏.‏ قال في جامع العلوم وغيره‏:‏ «لو يعمر» بمعنى «أن يعمر»، ف «لو» هنا نائبة عن «أن» و«أن» مع الفعل في تأويل المصدر وهو مفعول «يود» أي يود أحدهم تعمير ألف سنة‏.‏ ‏{‏والله بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ‏}‏ أي بعمل هؤلاء الكفار فيجازيهم عليه‏.‏ وبالتاء‏:‏ يعقوب‏.‏

‏{‏قُلْ مَن كَانَ عَدُوّا لِّجِبْرِيلَ‏}‏ بفتح الجيم وكسر الراء بلا همز‏:‏ مكي‏.‏ وبفتح الراء والجيم والهمز مشبعاً‏:‏ كوفي غير حفص‏.‏ وبكسر الراء والجيم بلا همز‏:‏ غيرهم‏.‏ ومنع الصرف فيه للتعريف والعجمة ومعناه عبد الله لأن «جبر» هو العبد بالسريانية و«إيل» اسم الله‏.‏ روي أَن ابن صوريا من أحبار اليهود حاجّ النبي صلى الله عليه وسلم وسأله عمن يهبط عليه بالوحي فقال‏:‏ جبريل‏.‏ فقال‏:‏ ذاك عدونا ولو كان غيره لآمنا بك وقد عادانا مراراً، وأشدها أنه أنزل على نبينا أن بيت المقدس سيخربه بختنصر فبعثنا من يقتله فلقيه ببابل غلاماً مسكيناً فدفع عنه جبريل وقال‏:‏ إن كان ربكم أمره بهلاككم فإنه لا يسلطكم عليه، وإن لم يكن إياه فعلى أي ذنب تقتلونه‏.‏ ‏{‏فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ‏}‏ فإن جبريل نزل القرآن، ونحو هذا الإضمار أعني إضمار ما لم يسبق ذكره فيه فخامة حيث يجعل لفرط شهرته كأنه يدل على نفسه ويكتفي عن اسمه الصريح بذكر شيء من صفاته‏.‏ ‏{‏على قَلْبِكَ‏}‏ أي حفظه إياك‏.‏ وخص القلب لأنه محل الحفظ كقوله‏:‏ ‏{‏نَزَلَ بِهِ الروح الأمين * على قَلْبِكَ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 193-194‏]‏، وكان حق الكلام أن يقال على قلبي ولكن جاء على حكاية كلام الله كما تكلم به، وإنما استقام أن يقع فإنه «نزله» جزاء للشرط لأن تقديره إن عادى جبريل أحد من أهل الكتاب فلا وجه لمعاداته حيث نزل كتاباً مصدقاً للكتب بين يديه، فلو أنصفوا لأحبوه وشكروا له صنيعه في إنزاله ما ينفعهم ويصحح المنزل عليهم‏.‏ وقيل‏:‏ جواب الشرط محذوف تقديره من كان عدواً لجبريل فليمت غيظاً فإنه نزل الوحي على قلبك ‏{‏بِإِذْنِ الله‏}‏ بأمره ‏{‏مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وبشرى لِلْمُؤْمِنِينَ‏}‏ رد على اليهود حين قالوا إن جبريل ينزل بالحرب والشدة فقيل‏:‏ فإنه ينزل بالهدى والبشرى أيضاً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏98- 105‏]‏

‏{‏مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ‏(‏98‏)‏ وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ ‏(‏99‏)‏ أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ‏(‏100‏)‏ وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏101‏)‏ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ‏(‏102‏)‏ وَلَوْ أَنَّهُمْ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ‏(‏103‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏104‏)‏ مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ‏(‏105‏)‏‏}‏

‏{‏مَن كَانَ عَدُوّا لّلَّهِ وملائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال‏}‏ بصري وحفص‏.‏ و«ميكائل» باختلاس الهمزة ك «ميكاعل»‏:‏ مدني‏.‏ و«ميكائيل» بالمد وكسر الهمزة مشبعة‏:‏ غيرهم‏.‏ وخص الملكان بالذكر لفضلهما كأنهما من جنس آخر إذ التغاير في الوصف ينزل منزلة التغاير في الذات‏.‏ ‏{‏فَإِنَّ الله عَدُوٌّ للكافرين‏}‏ أي لهم فجاء بالظاهر ليدل على أن الله إنما عاداهم لكفرهم، وأن عداوة الملائكة كفر كعداوة الأنبياء ومن عاداهم عاداه الله ‏{‏وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ءايات بينات وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الفاسقون‏}‏ المتمردون من الكفرة واللام للجنس والأحسن أن تكون إشارة إلى أهل الكتاب‏.‏ وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال ابن صوريا لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما جئتنا بشيء نعرفه وما أنزل عليك من آية فنتبعك بها فنزلت الواو في ‏{‏أَوَكُلَّمَا‏}‏ الواو للعطف على محذوف تقديره أكفروا بالآيات البينات‏.‏ وكلما ‏{‏عاهدوا عَهْدًا نَّبَذَهُ‏}‏ نقضه ورفضه وقال ‏{‏فَرِيقٌ مّنْهُمُ‏}‏ لأن منهم من لم ينقض ‏{‏بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ‏}‏ بالتوراة وليسوا من الدين في شيء فلا يعدون نقض المواثيق ذنباً ولا يبالون به‏.‏ ‏{‏وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مّنْ عِندِ الله‏}‏ محمد صلى الله عليه وسلم ‏{‏مُصَدّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب‏}‏ أي التوراة والذين أوتوا الكتاب اليهود ‏{‏كتاب الله‏}‏ يعني التوراة لأنهم بكفرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم المصدق لما معهم كافرون بها نابذون لها، أو كتاب الله القرآن نبذوه بعد ما لزمهم تلقيه بالقبول‏.‏ ‏{‏وَرَاء ظُهُورِهِمْ‏}‏ مثل لتركهم وإعراضهم عنه مثل بما يرمى به وراء الظهور استغناء عنه وقلة التفات إليه ‏{‏كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ‏}‏ أنه كتاب الله‏.‏

‏{‏واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين‏}‏ أي نبذ اليهود كتاب الله واتبعوا كتب السحر والشعوذة التي كانت تقرؤها ‏{‏على مُلْكِ سليمان‏}‏ أي على عهد ملكه في زمانه، وذلك أن الشياطين كانوا يسترقون السمع ثم يضمون إلى ما يسمعوا أكاذيب يلفقونها ويلقونها إلى الكهنة وقد دونوها في كتب يقرأونها ويعلمونها الناس، وفشا ذلك في زمن سليمان عليه السلام حتى قالوا‏:‏ إن الجن تعلم الغيب وكانوا يقولون هذا علم سليمان وما تم لسليمان ملكه إلا بهذا العلم وبه سخر الجن والإنس والريح‏.‏ ‏{‏وَمَا كَفَرَ سليمان‏}‏ تكذيب للشياطين ودفع لما بهتت به سليمان من اعتقاد السحر والعمل به ‏{‏ولكن الشياطين‏}‏ هم الذين ‏{‏كَفَرُواْ‏}‏ باستعمال السحر وتدوينه‏.‏ و«لكن» بالتخفيف «الشياطين» بالرفع‏:‏ شامي وحمزة وعلي‏.‏

‏{‏يُعَلِّمُونَ الناس السحر‏}‏ في موضع الحال أي كفروا معلمين الناس السحر قاصدين به إغواءهم وإضلالهم ‏{‏وَمَا أُنزِلَ عَلَى الملكين‏}‏ الجمهور على أن «ما» بمعنى «الذي» هو نصب عطف على «السحر» أي ويعلمونهم ما أنزل على الملكين أو على «ما تتلوا» أي واتبعوا ما أنزل على الملكين ‏{‏بِبَابِلَ هاروت وماروت‏}‏ علمان لهما وهما عطف بيان للملكين، والذي أنزل عليهما هو علم السحر ابتلاء من الله للناس من تعلمه منهم وعمل به كان كافراً إن كان فيه رد ما لزم في شرط الإيمان، ومن تجنبه أو تعلمه لا ليعمل به ولكن ليتوقاه لئلا يغتر به كان مؤمناً، قال الشيخ أبو منصور الماتريدي رحمه الله‏:‏ القول بأن السحر على الإطلاق كفر خطأ بل يجب البحث عن حقيقته، فإن كان في ذلك رد ما لزم في شرط الإيمان فهو كفر وإلا فلا‏.‏

ثم السحر الذي هو كفر يقتل عليه الذكور لا الإناث، وما ليس بكفر وفيه إهلاك النفس ففيه حكم قطاع الطريق ويستوي فيه المذكر والمؤنث، وتقبل توبته إذا تاب‏.‏ ومن قال لا تقبل فقد غلط فإن سحرة فرعون قبلت توبتهم‏.‏ وقيل‏:‏ أنزل أي قذف في قلوبهما مع النهي عن العمل‏.‏ قيل‏:‏ إنهما ملكان اختارتهما الملائكة لتركب فيهما الشهوة حين عيرت بني آدم فكانا يحكمان في الأرض ويصعدان بالليل، فهويا زهرة فحملتهما على شرب الخمر فزنيا فرآهما إنسان فقتلاه فاختارا عذاب الدنيا على عذاب الآخرة، فهما يعذبان منكوسين في جب ببابل وسميت ببابل لتبلبل الألسن بها‏.‏ ‏{‏وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ‏}‏ وما يعلم الملكان أحداً ‏{‏حتى يَقُولاَ‏}‏ حتى ينبهاه وينصحاه ويقولا له ‏{‏إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ‏}‏ ابتلاء واختبار من الله‏.‏ ‏{‏فَلاَ تَكْفُرْ‏}‏ بتعلمه والعمل به على وجه يكون كفراً ‏{‏فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا‏}‏ الفاء عطف على قوله «يعلمون الناس السحر» أي يعلمونهم فيتعلمون من السحر والكفر اللذين دل عليهما قوله «كفروا»- و- «يعلمون الناس السحر» أو على مضمر والتقدير‏:‏ فيأتون فيتعلمون‏.‏ والضمير لما دل عليه «من أحد» أي فيتعلم الناس من الملكين ما ‏{‏يفرِّقون به بين المرء وزوجه‏}‏ أي علم السحر الذي يكون سبباً في التفريق بين الزوجين بأن يحدث الله عنده النشوز والخلاف ابتلاء منه‏.‏ وللسحر حقيقة عند أهل السنة كثرهم الله وعنده المعتزلة هو تخييل وتمويه‏.‏ ‏{‏وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ‏}‏ بالسحر ‏{‏مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله‏}‏ بعلمه ومشيئته ‏{‏وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ‏}‏ في الآخرة وفيه دليل على أنه واجب الاجتناب كتعلم الفلسفة التي تجر إلى الغواية‏.‏ ‏{‏وَلَقَدْ عَلِمُواْ‏}‏ أي اليهود ‏{‏لَمَنِ اشتراه‏}‏ أي استبدل ما تتلو الشياطين من كتاب الله ‏{‏مَالَهُ فِي الآخرة مِنْ خلاق‏}‏ من نصيب ‏{‏وَلَبِئْسَ ما شَرواْ بِهِ أَنفُسَهُمْ‏}‏ باعوها وإنما نفى العلم عنهم بقوله ‏{‏لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ‏}‏ مع إثباته لهم بقوله «ولقد علموا» على سبيل التوكيد القسمي لأن معناه لو كانوا يعلمون بعلمهم جعلهم حين لم يعلموا به كأنهم لا يعلمون‏.‏

‏{‏وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ‏}‏ برسول الله والقرآن ‏{‏واتقوا‏}‏ الله فتركوا ما هم عليه من نبذ كتاب الله واتباع كتب الشياطين ‏{‏لَمَثُوبَةٌ مّنْ عِندِ الله خَيْرٌ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ‏}‏ أن ثواب الله خير مما هم فيه وقد علموا، لكنه جهلهم لما تركوا العمل بالعلم والمعنى‏:‏ لأثيب من عند الله ما هو خير، وأوثرت الجملة الاسمية على الفعلية في جواب «لو» لما فيها من الدلالة على ثبات المثوبة واستقرارها‏.‏ ولم يقل لمثوبة الله خير لأن المعنى لشيء من الثواب خير لهم‏.‏ وقيل‏:‏ «لو» بمعنى التمني كأنه قيل‏:‏ وليتهم آمنوا ثم ابتدأ «لمثوبة من عند الله خير»‏.‏

‏{‏يَعْلَمُونَ ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تَقُولُواْ راعنا وَقُولُواْ انظرنا‏}‏ كان المسلمون يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ألقي عليهم شيئاً من العلم‏:‏ راعنا يا رسول الله أي راقبنا وانتظرنا حتى نفهمه ونحفظه، وكانت لليهود كلمة يتسابون بها عبرانية أو سريانية وهي «راعينا»، فلما سمعوا بقول المؤمنين «راعنا» افترصوه وخاطبوا به الرسول وهم يعنون به تلك المسبة فنهى المؤمنون عنها وأمروا بما هو في معناها وهو «انظرنا» من نظره إذا انتطره‏.‏ ‏{‏واسمعوا‏}‏ وأحسنوا سماع ما يكلمكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلقي عليكم من المسائل بآذان واعية وأذهان حاضرة حتى لا تحتاجوا إلى الاستعادة وطلب المراعاة، أو واسمعوا سماع قبول وطاعة ولا يكن سماعكم كسماع اليهود حيث قالوا سمعنا وعصينا‏.‏ ‏{‏وللكافرين‏}‏ ولليهود الذين سبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏{‏عَذَابٌ أَلِيمٌ‏}‏ مؤلم‏.‏ ‏{‏مَّا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب وَلاَ المشركين أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم‏}‏ وبالتخفيف‏:‏ مكي وأبو عمرو‏.‏ ‏{‏مّنْ خَيْرٍ مّن رَّبِّكُمْ‏}‏ «من» الأولى للبيان لأن الذين كفروا جنس تحته نوعان‏:‏ أهل الكتاب والمشركون، والثانية مزيدة لاستغراق الخير، والثالثة لابتداء الغاية‏.‏ والخير الوحي وكذلك الرحمة‏.‏ ‏{‏والله يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء‏}‏ يعني أنهم يرون أنفسهم أحق بأن يوحى إليهم فيحسدونكم وما يحبون أن ينزل عليكم شيء من الوحي والله يختص بالنبوبة من يشاء ‏{‏والله ذُو الفضل العظيم‏}‏ فيه إشعار بأن إيتاء النبوة من الفضل العظيم ولما طعنوا في النسخ فقالوا‏:‏ ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه ويقول اليوم قولاً ويرجع عنه غداً نزل‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏106- 112‏]‏

‏{‏مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏106‏)‏ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ‏(‏107‏)‏ أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ‏(‏108‏)‏ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏109‏)‏ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ‏(‏110‏)‏ وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏111‏)‏ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ‏(‏112‏)‏‏}‏

‏{‏مَا نَنسَخْ مِنْ ءايَةٍ أَوْ نُنسِهَا‏}‏ تفسير النسخ لغة التبديل، وشريعة بيان انتهاء الحكم الشرعي المطلق الذي تقرر في أوهامنا استمراره بطريق التراخي فكان تبديلاً في حقنا بياناً محضاً في حق صاحب الشرع‏.‏ وفيه جواب عن البداء الذي يدعيه منكروه أعني اليهود ومحله حكم يحتمل الوجود والعدم في نفسه لم يلحق به ما ينافي النسخ من توقيت أو تأبيد، ثبت نصاً أو دلالة‏.‏ وشرطه التمكن من عقد القلب عندنا دون التمكن من الفعل خلافاً للمعتزلة‏.‏ وإنما يجوز النسخ بالكتاب والسنة متفقاً ومختلفاً ويجوز نسخ التلاوة والحكم، والحكم دون التلاوة، والتلاوة دون الحكم ونسخ وصف بالحكم مثل الزيادة على النص فإنه نسخ عندنا خلافاً للشافعي رحمه الله‏.‏ والإنساء أن يذهب بحفظها عن القلوب «أو ننسأها» مكي وأبو عمرو أي نؤخرها من نسأت أي أخرت ‏{‏نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا‏}‏ أي نأت بآية خير منها للعباد أي بآية العمل بها أكثر للثواب‏.‏ ‏{‏أَوْ مِثْلِهَا‏}‏ في ذلك إذ لا فضيلة لبعض الآيات على البعض ‏{‏أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏}‏ أي قادر فهو يقدر على الخير وعلى مثله ‏{‏أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض‏}‏ فهو يملك أموركم ويدبرها وهو أعلم بما يتعبدكم به من ناسخ أو منسوخ‏.‏ ‏{‏وَمَا لَكُم مّن دُونِ الله مِن وَلِيٍّ‏}‏ يلي أمركم ‏{‏وَلاَ نَصِيرٍ‏}‏ ناصر يمنعكم من العذاب ‏{‏أَمْ تُرِيدُونَ‏}‏ «أم» منقطعة وتقديره بل أتريدون ‏{‏أَن تَسْئَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ موسى مِن قَبْلُ‏}‏ روي أن قريشاً قالوا‏:‏ يا محمد اجعل لنا الصفا ذهباً ووسع لنا أرض مكة فنهوا أن يقترحوا عليه الآيات كما اقترح قوم موسى عليه حين قالوا اجعل لنا إلهاً‏.‏ ‏{‏وَمَن يَتَبَدَّلِ الكفر بالإيمان‏}‏ ومن ترك الثقة بالآيات المنزلة وشك فيها واقترح غيرها ‏{‏فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السبيل‏}‏ قصده ووسطه‏.‏

‏{‏وَدَّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ الكتاب لَوْ يَرُدُّونَكُم‏}‏ أن يردوكم ‏{‏مِن بَعْدِ إيمانكم كُفَّارًا‏}‏ حال من «كم» أي يردونكم عن دينكم كافرين، نزلت حين قالت اليهود للمسلمين بعد واقعة أحد‏:‏ ألم تروا إلى ما أصابكم ولو كنتم على الحق لما هزمتم فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم‏.‏ ‏{‏حَسَدًا‏}‏ مفعول له أي لأجل الحسد وهو الأسف على الخير عند الغير ‏{‏مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ‏}‏ يتعلق ب «ودّ» أي ودوا من عند أنفسهم ومن قبل شهوتهم لا من قبل التدين والميل مع الحق لأنهم ودوا ذلك ‏{‏مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحق‏}‏ أي من بعد علمهم بأنكم على الحق، أو ب «حسداً» أي حسداً متبالغاً منبعثاً من أصل نفوسهم‏.‏

‏{‏فاعفوا واصفحوا‏}‏ فاسلك بهم سبيل العفو والصفح عما يكون منهم من الجهل والعداوة ‏{‏حتى يَأْتِىَ الله بِأَمْرِهِ‏}‏ بالقتال ‏{‏إِنَّ الله على كُلِّ شَئ قَدِيرٌ‏}‏ فهو يقدر على الانتقام منهم‏.‏ ‏{‏وَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكواة وَمَا تُقَدّمُواْ لأَنْفُسِكُم مّنْ خَيْرٍ‏}‏ من حسنة صلاة أو صدقة أو غيرهما ‏{‏تَجِدُوهُ عِندَ الله‏}‏ تجدوا ثوابه عنده ‏{‏إِنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ‏}‏ فلا يضيع عنده عمل عامل‏.‏ والضمير في ‏{‏وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى‏}‏ لأهل الكتاب من اليهود والنصارى أي وقالت اليهود‏:‏ لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً، وقالت النصارى‏:‏ لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى، فلفّ بين القولين ثقة بأن السامع يرد إلى كل فريق قوله، وأمناً من الإلباس لما علم من التعادي بين الفريقين وتضليل كل واحد منهما صاحبه، ألا ترى إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالَتِ اليهود لَيْسَتِ النصارى على شَئ وَقَالَتِ النصارى لَيْسَتِ اليهود على شَئ‏}‏‏؟‏ وهود جمع هائد كعائذ وعوذ وواحد اسم كان للفظ «من»، وجمع الخبر لمعناه‏.‏ ‏{‏تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ‏}‏ أشير بها إلى الأماني المذكورة وهي أمنيتهم ألا ينزل على المؤمنين خير من ربهم وأمنيتهم أن يردوهم كفاراً، وأمنيتهم أن لا يدخل الجنة غيرهم أي تلك الأماني الباطلة أمانيهم‏.‏ والأمنية أفعولة من التمني مثل الأضحوكة‏.‏ ‏{‏قُلْ هَاتُواْ برهانكم‏}‏ هلموا حجتكم على اختصاصكم بدخول الجنة‏.‏ وهات بمنزلة هاء بمعنى أحضر وهو متصل بقولهم«لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى» و«تلك أمانيهم» اعتراض‏.‏ ‏{‏إِن كُنتُمْ صادقين‏}‏ في دعواكم‏.‏ ‏{‏بلى‏}‏ إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة‏.‏ ‏{‏مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ‏}‏ من أخلص نفسه له لا يشرك به غيره‏.‏ ‏{‏وَهُوَ مُحْسِنٌ‏}‏ مصدق بالقرآن‏.‏ ‏{‏فَلَهُ أَجْرُهُ‏}‏ جواب «من أسلم»‏.‏ و«هو» كلام مبتدأ متضمن لمعنى الشرط و«بلى» رد لقولهم‏.‏ ‏{‏عِندَ رَبّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏113- 120‏]‏

‏{‏وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ‏(‏113‏)‏ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ‏(‏114‏)‏ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ‏(‏115‏)‏ وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ‏(‏116‏)‏ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ‏(‏117‏)‏ وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آَيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ‏(‏118‏)‏ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ‏(‏119‏)‏ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ‏(‏120‏)‏‏}‏

‏{‏وَقَالَتِ اليهود لَيْسَتِ النصارى على شَئ وَقَالَتِ النصارى لَيْسَتِ اليهود على شَئ‏}‏ أي على شيء يصح ويعتد به‏.‏ والواو في ‏{‏وَهُمْ يَتْلُونَ الكتاب‏}‏ للحال والكتاب للجنس أي قالوا ذلك وحالهم أنهم من أهل العلم والتلاوة للكتب، وحق من حمل التوراة والإنجيل وآمن به ألا يكفر بالباقي لأن كل واحد من الكتابين مصدق للآخر‏.‏ ‏{‏كذلك‏}‏ مثل ذلك القول الذي سمعت به ‏{‏قَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ‏}‏ أي الجهلة الذين لا علم عندهم ولا كتاب كعبدة الأصنام والمعطلة، قالوا لأهل كل دين ليسوا على شيء، وهذا توبيخ عظيم لهم حيث نظموا أنفسهم مع علمهم في سلك من لا يعلم ‏{‏فالله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ‏}‏ أي بين اليهود والنصارى بما يقسم لكل فريق منهم من العقاب اللائق به‏.‏

‏{‏وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مساجد الله أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسمه‏}‏ موضع «من» رفع على الابتداء وهو استفهام و«أظلم» خبره والمعنى‏:‏ أي أحد أظلم‏؟‏ و«أن يذكر» ثاني مفعولي «منع» لأنك تقول منعته كذا ‏{‏وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بالأيات‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 59‏]‏‏.‏ ‏{‏وَمَا مَنَعَ الناس أَن يُؤْمِنُواْ‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 55‏]‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 94‏]‏‏.‏ ويجوز أن يحذف حرف الجر مع «أن» أي من أن يذكر وأن تنصبه مفعولاً له بمعنى منعها كراهة أن يذكر وهو حكم عام لجنس مساجد الله وأن مانعها من ذكر الله مفرط في الظلم‏.‏ والسبب فيه طرح النصارى في بيت المقدس الأذى، ومنعهم الناس أن يصلوا فيه، أو منع المشركين رسول الله أن يدخل المسجد الحرام عام الحديبية‏.‏ وإنما قيل مساجد الله وكان المنع على مسجد واحد وهو بيت المقدس أو المسجد الحرام لأن الحكم ورد عاماً وإن كان السبب خاصاً كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَيْلٌ لّكُلّ هُمَزَةٍ‏}‏ ‏[‏الهمزة‏:‏ 1‏]‏ والمنزول فيه الأخنس بن شريق‏.‏ ‏{‏وسعى فِى خَرَابِهَا‏}‏ بانقطاع الذكر والمراد ب «من» العموم كما أريد العموم بمساجد الله‏.‏ ‏{‏أولئك‏}‏ المانعون ‏{‏مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا‏}‏ أي ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله ‏{‏إِلاَّ خَائِفِينَ‏}‏ حال من الضمير في «يدخلوها» أي على حال التهيب وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم فضلاً أن يستولوا عليها ويلوها ويمنعوا المؤمنين منها‏.‏ والمعنى‏:‏ ما كان الحق إلا ذلك لولا ظلم الكفرة وعتوهم‏.‏ رُوي أنه لا يدخل بيت المقدس أحد من النصارى إلا متنكراً خيفة أن يقتل‏.‏ وقال قتادة‏:‏ لا يوجد نصراني في بيت المقدس إلا بولغ ضرباً‏.‏ ونادى رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ ألا لا يحجن بعد هذا العام مشرك ‏"‏ وقيل‏:‏ معناه النهي عن تمكينهم من الدخول والتخلية بينهم وبينه كقوله تعالى‏:‏

‏{‏وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ الله‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 53‏]‏ ‏{‏لَهُمْ فِى الدنيا خِزْىٌ‏}‏ قتل وسبي للحربي وذلة بضرب الجزية للذمي ‏{‏وَلَهُمْ فِى الأخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ‏}‏ أي النار‏.‏

‏{‏وَلِلَّهِ المشرق والمغرب‏}‏ أي بلاد المشرق والمغرب كلها له وهو مالكها ومتوليها ‏{‏فَأَيْنَمَا‏}‏ شرط ‏{‏تَوَلُّوْاْ‏}‏ مجزوم به أي ففي أي مكان فعلتم التولية يعني تولية وجوهكم شطر القبلة بدليل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 144‏]‏، والجواب ‏{‏فَثَمَّ وَجْهُ الله‏}‏ أي جهته التي أمر بها ورضيها‏.‏ والمعنى أنكم إذا منعتم أن تصلوا في المسجد الحرام أو في بيت المقدس فقد جعلت لكم الأرض مسجداً فصلوا في أي بقعة شئتم من بقاعها وافعلوا التولية فيها، فإن التولية ممكنة في كل مكان‏.‏ ‏{‏إِنَّ الله واسع عَلِيمٌ‏}‏ أي هو واسع الرحمة يريد التوسعة على عباده وهو عليم بمصالحهم‏.‏ وعن ابن عمر رضي الله عنهما‏:‏ نزلت في صلاة المسافر على الراحلة أينما توجهت‏.‏ وقيل‏:‏ عميت القبلة على قوم فصلوا إلى أنحاء مختلفة، فلما أصبحوا تبينوا خطأهم فعذروا‏.‏ هو حجة على الشافعي رحمه الله فيما إذا استدبر‏.‏ وقيل‏:‏ فأينما تولوا للدعاء والذكر‏.‏ ‏{‏وَقَالُواْ اتخذ الله وَلَدًا‏}‏ يريد الذين قالوا المسيح ابن الله وعزيز ابن الله‏.‏ «قالوا»‏:‏ شامي فإثبات الواو باعتبار أنه قصة معطوفة على ما قبلها، وحذفه باعتبار أنه استئناف قصة أخرى‏.‏ ‏{‏سبحانه‏}‏ تنزيه له عن ذلك وتبعيد ‏{‏بَل لَّهُ مَا فِي السماوات والأرض‏}‏ أي هو خالقه ومالكه ومن جملته المسيح وعزيز والولادة تنافي الملك‏.‏ ‏{‏كُلٌّ لَّهُ قانتون‏}‏ منقادون لا يمتنع شيء منهم على تكوينه وتقديره‏.‏ والتنوين في «كل» عوض عن المضاف إليه أي كل ما في السموات والأرض، أو كل من جعلوه لله ولداً له قانتون مطيعون عابدون مقرون بالربوبية منكرون لما أضافوا إليهم‏.‏ وجاء ب «ما» الذي لغير أولي العلم مع قوله «قانتون» كقوله ‏"‏ سبحان ما سخركن لنا ‏"‏ ‏{‏بَدِيعُ السماوات والأرض‏}‏ أي مخترعهما ومبدعهما لا على مثال سبق‏.‏ وكل من فعل ما لم يسبق إليه يقال له أبدعت ولهذا قيل لمن خالف السنة والجماعة مبتدع لأنه يأتي في دين الإسلام ما لم يسبقه إليه الصحابة والتابعون رضي الله عنهم‏.‏ ‏{‏وَإِذَا قضى أَمْرًا‏}‏ أي حكم أو قدر ‏{‏فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏}‏ هو من «كان» التامة أي أحدث فيحدث وهذا مجاز عن سرعة التكوين وتمثيل ولا قول ثُمَّ‏.‏ وإنما المعنى أن ما قضاه من الأمور وأراد كونه فإنما يتكون، ويدخل تحت الوجود من غير امتناع ولا توقف كما أن المأمور المطيع الذي يؤمر فيمتثل لا يتوقف ولا يمتنع ولا يكون منه إباء‏.‏

وأكد بهذا استبعاد الولادة لأن من كان بهذه الصفة من القدرة كانت صفاته مباينة لصفات الأجسام فأنى يتصور التوالد ثمّ‏.‏ والوجه الرفع في «فيكون» وهو قراءة العامة على الاستئناف أي فهو يكون، أو على العطف على «يقول»‏.‏ ونصبه ابن عامر على لفظ «كن» لأنه أمر وجواب الأمر بالفاء نصب‏.‏ وقلنا‏:‏ إن «كن» ليس بأمر حقيقة إذ لا فرق بين أن يقال وإذ قضى أمرا فإنما يكونه فيكون وبين أن يقال فإنما يقول له كن فيكون، وإذا كان كذلك فلا معنى للنصب‏.‏ وهذا لأنه لو كان أمراً فإما أن يخاطب به الموجود والموجود لا يخاطب ب «كن» أو المعدوم والمعدوم لا يخاطب‏.‏

‏{‏وَقَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ‏}‏ من المشركين أو من أهل الكتاب، ونفى عنهم العلم لأنهم لم يعملوا به ‏{‏لَوْلاَ يُكَلّمُنَا الله‏}‏ هلا يكلمنا كما يكلم الملائكة وكلم موسى استكباراً منهم وعتواً ‏{‏أَوْ تَأْتِينَآ ءَايَةٌ‏}‏ جحوداً لأن يكون ما أتاهم من آيات الله آيات واستهانه بها ‏{‏كذلك قَالَ الذين مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تشابهت قُلُوبُهُمْ‏}‏ أي قلوب هؤلاء ومن قبلهم في العمى ‏{‏قَدْ بَيَّنَّا الآيات لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ‏}‏ أي لقوم ينصفون فيوقنون أنها آيات يجب الاعتراف بها والإذعان لها والاكتفاء بها عن غيرها ‏{‏إِنَّا أرسلناك بالحق بَشِيرًا‏}‏ للمؤمنين بالثواب ‏{‏وَنَذِيرًا‏}‏ للكافرين بالعقاب ‏{‏وَلاَ تُسْئَلُ عَنْ أصحاب الجحيم‏}‏ ولا نسألك عنهم ما لهم لم يؤمنوا بعد أن بلّغت وبلغت جهدك في دعوتهم وهو حال ك «نذيراً» وبشيراً و«بالحق» أي وغير مسؤول أو مستأنف‏.‏ قراءة نافع و«لا تسأل» على النهي ومعناه ما وقع فيه الكفار من العذاب كما تقول‏:‏ كيف فلان سائلاً عن الواقع في بلية فيقال لك‏:‏ لا تسأل عنه‏.‏ وقيل‏:‏ نهى الله نبيه عن السؤال عن أحوال الكفرة حين قال ليت شعري ما فعل أبواي‏.‏

‏{‏وَلَن ترضى عَنكَ اليهود وَلاَ النصارى حتى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ‏}‏ كأنهم قالوا لن نرضى عنك وإن أبلغت في طلب رضانا حتى تتبع ملتنا إقناطاً منهم لرسول الله عن دخولهم في الإسلام، فذكر الله عز وجل كلامهم‏.‏ ‏{‏قُلْ إِنَّ هُدَى الله‏}‏ الذي رضي لعباده ‏{‏هُوَ الهدى‏}‏ أي الإسلام‏.‏ وهو الهدى كله ليس وراءه هدى والذي تدعون إلى اتباعه ما هو هدى إنما هو هوى‏.‏ ألا ترى إلى قوله ‏{‏وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءهُم‏}‏ أي أقوالهم التي هي أهواء وبدع ‏{‏بَعْدَ الذي جَاءكَ مِنَ العلم‏}‏ أي من العلم بأن دين الله هو الإسلام أو من الدين المعلوم صحته بالبراهين الواضحة والحجج اللائحة ‏{‏مالك مِنَ الله‏}‏ من عذاب الله ‏{‏مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ‏}‏ ناصر‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏121- 124‏]‏

‏{‏الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ‏(‏121‏)‏ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ‏(‏122‏)‏ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ‏(‏123‏)‏ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ‏(‏124‏)‏‏}‏

‏{‏الذين‏}‏ مبتدأ ‏{‏ءاتيناهمالكتاب‏}‏ صلته وهم مؤمنو أهل الكتاب وهو التوراة والإنجيل، أو أصحاب النبي عليه السلام والكتاب القرآن‏.‏ ‏{‏يَتْلُونَهُ‏}‏ حال مقدرة من «هم» لأنهم لم يكونوا تالين له وقت إيتائه، ونصب على المصدر‏.‏ ‏{‏حَقَّ تِلاَوَتِهِ‏}‏ أي يقرأونه حق قراءته في الترتيل وأداء الحروف والتدبر والتفكر، أو يعملون به ويؤمنون بما فيه مضمونه ولا يغيرون ما فيه من نعت النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ ‏{‏أولئك‏}‏ مبتدأ خبره ‏{‏يُؤْمِنُونَ بِهِ‏}‏ والجملة خبر «الذين» ويجوز أن يكون «يتلونه» خبراً، والجملة خبر آخر‏.‏ ‏{‏وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون‏}‏ حيث اشتروا الضلالة بالهدى ‏{‏يابنى إسراءيل اذكروا نِعْمَتِيَ التى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ‏}‏ أي أنعمتها عليكم ‏{‏وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العالمين‏}‏ وتفضيلي إياكم على عالمي زمانكم ‏{‏واتقوا يَوْمًا لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شفاعة وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ‏}‏ «هم» رفع بالابتداء والخبر «ينصرون»‏.‏ والجمل الأربع وصف ل «يوماً» أي واتقوا يوماً لا تجزى فيه ولا يقبل فيه ولا تنفعها فيه ولا هم ينصرون فيه‏.‏ وتكرير هاتين الآيتين لتكرار المعاصي منهم، وختم قصة بني إسرائيل بما بدأ به‏.‏

‏{‏وَإِذْ‏}‏ أي واذكر إذ ‏{‏ابتلى إبراهيم رَبُّهُ بكلمات‏}‏ اختبره بأوامر ونواه‏.‏ والاختبار منا لظهور ما لم نعلم، ومن الله لإظهار ما قد علم، وعاقبة الابتلاء ظهور الأمر الخفي في الشاهد والغائب جميعاً فلذا تجوز إضافته إلى الله تعالى‏.‏ وقيل‏:‏ اختبار الله عبده مجاز عن تمكينه من اختيار أحد الأمرين ما يريد الله تعالى وما يشتهيه العبد كأنه يمتحنه ما يكون منه حتى يجازيه على حسب ذلك‏.‏ وقرأ أبو حنيفة رضي الله عنه‏:‏ «إبراهيمُ ربه»، يرفع إبراهيم وهي قراءة ابن عباس رضي الله عنهما، أي دعاه بكلمات من الدعاء فعل المختبر هل يجيبه إليهن أم لا‏.‏ ‏{‏فَأَتَمَّهُنَّ‏}‏ أي قام بهن حق القيام وأدّاهن أحسن التأدية من غير تفريط وتوانٍ ونحوه ‏{‏وإبراهيم الذى وفى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 37‏]‏ ومعناه في قراءة أبي حنيفة رحمه الله فأعطاه ما طلبه لم ينقص منه شيئاً‏.‏ والكلمات على هذا ما سأل إبراهيم ربه في قوله‏:‏ ‏{‏رَبِّ اجعل هذا بَلَدًا آمِنًا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 126‏]‏‏.‏ ‏{‏واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 128‏]‏‏.‏ ‏{‏وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 129‏]‏‏.‏ ‏{‏رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 127‏]‏‏.‏ والكلمات على القراءة المشهورة خمس في الرأس‏:‏ الفرق وقص الشارب والسواك والمضمضة والاستنشاق‏.‏ وخمس في الجسد‏:‏ الختان وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة والاستنجاء‏.‏ وعن ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ هي ثلاثون سهماً من الشرائع‏:‏ عشر في براءة ‏{‏التائبون‏}‏ ‏[‏الآية‏:‏ 12‏]‏، الآية وعشر في الأحزاب ‏{‏إِنَّ المسلمين والمسلمات‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 35‏]‏ الآية، وعشر في «المؤمنين» و«المعارج» إلى قوله ‏{‏يُحَافِظُونَ‏}‏ وقيل‏:‏ هي مناسك الحج ‏{‏قَالَ إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا‏}‏ هو اسم من يؤتم به أي يأتمون بك في دينهم‏.‏

‏{‏قَالَ وَمِن ذُرّيَّتِى‏}‏ أي واجعل من ذريتي إماماً يقتدى به‏.‏ ذرية الرجل أولاده ذكورهم وإناثهم فيه سواء‏.‏ فعيلة من الذرء أي الخلق فأبدلت الهمزة ياء‏.‏ ‏{‏قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين‏}‏ بسكون الياء‏:‏ حمزة وحفص أي لا تصيب الإمامة أهل الظلم من ولدك أي أهل الكفر‏.‏ أخبر أن إمامة المسلمين لا تثبت لأهل الكفر وأن من أولاده المسلمين والكافرين قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وباركنا عَلَيْهِ وعلى إسحاق وَمِن ذُرّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وظالم لّنَفْسِهِ مُبِينٌ‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 113‏]‏‏.‏ والمحسن المؤمن والظالم الكافر‏.‏ قالت المعتزلة‏:‏ هذا دليل على أن الفاسق ليس بأهل للإمامة قالوا‏:‏ وكيف يجوز نصب الظالم للإمامة والإمام إنما هو لكف الظلمة فإذا نصب من كان ظالماً في نفسه فقد جاء المثل السائر «من استرعى الذئب ظلم»‏.‏ ولكنا نقول‏:‏ المراد بالظالم الكافر هنا إذ هو الظالم المطلق‏.‏ وقيل‏:‏ إنه سأل أن يكون ولده نبياً كما كان هو فأخبر أن الظالم لا يكون نبيا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏125- 137‏]‏

‏{‏وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ‏(‏125‏)‏ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ‏(‏126‏)‏ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ‏(‏127‏)‏ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ‏(‏128‏)‏ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ‏(‏129‏)‏ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ‏(‏130‏)‏ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏131‏)‏ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ‏(‏132‏)‏ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ‏(‏133‏)‏ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏134‏)‏ وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ‏(‏135‏)‏ قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ‏(‏136‏)‏ فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ‏(‏137‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِذْ جَعَلْنَا البيت‏}‏ أي الكعبة وهو اسم غالب لها كالنجم للثريا ‏{‏مَثَابَةً لّلنَّاسِ‏}‏ مباءة ومرجعاً للحجاج والعمار يتفرقون عنه ثم يثوبون إليه ‏{‏وَأَمْناً‏}‏ وموضع أمن فإن الجاني يأوي إليه فلا يتعرض له حتى يخرج وهو دليل لنا في الملتجئ إلى الحرم‏.‏ ‏{‏واتخذوا مِن مَّقَامِ إبراهيم مُصَلًّى‏}‏ وقلنا أتخذوا منه موضع صلاة تصلون فيه‏.‏ وعنه عليه السلام أنه أخذ بيد عمر فقال ‏"‏ هذا مقام إبراهيم ‏"‏ فقال عمر أفلا نتخذه مصلى فقال عليه السلام ‏"‏ لم أومر بذلك ‏"‏ فلم تغب الشمس حتى نزلت‏.‏ وقيل‏:‏ مصلى مدعى، ومقام إبراهيم الحجر الذي فيه أثر قدميه‏.‏ وقيل‏:‏ الحرم كله مقام إبراهيم‏.‏ «واتخذوا» شامي ونافع بلفظ الماضي عطفاً على «جعلنا» أي واتخذ الناس من مكان إبراهيم الذي وسم به لاهتمامه به وإسكان ذريته عنده قبلة يصلون إليها ‏{‏وَعَهِدْنَا إلى إبراهيم وإسماعيل‏}‏ أمرناهما ‏{‏أَن طَهّرَا بَيْتِىَ‏}‏ بفتح الياء‏:‏ مدني وحفص أي بأن طهرا أو أي طهرا والمعنى طهراه من الأوثان والخبائث والأنجاس كلها ‏{‏لِلطَّائِفِينَ‏}‏ للدائرين حوله ‏{‏والعاكفين‏}‏ المجاورين الذين عكفوا عنده أي أقاموا لا يبرحون أو المعتكفين‏.‏ وقيل‏:‏ للطائفين للنزّاع إليه من البلاد والعاكفين والمقيمين من أهل مكة‏.‏ ‏{‏والركع السجود‏}‏ والمصلحين جمعاً راكع وساجد‏.‏

‏{‏وَإِذْ قَالَ إبراهيم رَبِ اجعل هذا‏}‏ أي اجعل هذا البلد أو هذا المكان ‏{‏بَلَدًا آمِنًا‏}‏ ذا أمن كعيشة راضية أو آمناً من فيه كقولك «ليل نائم» فهذا مفعول أول‏.‏ و«بلداً» مفعول ثانٍ و«آمناً» صفة له‏.‏ ‏{‏وارزق أَهْلَهُ مِنَ الثمرات‏}‏ لأنه لم يكن لهم ثمرة‏.‏ ثم أبدل ‏{‏مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بالله واليوم الأخر‏}‏ من أهله بدل البعض من الكل أي وارزق المؤمنين من أهله خاصة‏.‏ قاس الرزق على الإمامة فخص المؤمنين به‏.‏ قال الله تعالى جواباً له ‏{‏وَمَن كَفَرَ‏}‏ أي وارزق من كفر ‏{‏فَأُمَتّعُهُ قَلِيلاً‏}‏ تمتيعاً قليلاً أو زماناً قليلاً إلى حين أجله‏.‏ «فأمتعه»‏:‏ شامي ‏{‏ثُمَّ أَضْطَرُّهُ‏}‏ ألجئه ‏{‏إلى عَذَابِ النار وَبِئْسَ المصير‏}‏ المرجع الذي يصير إليه النار فالمخصوص بالذم محذوف‏.‏

‏{‏وَإِذْ يَرْفَعُ‏}‏ حكاية حال ماضية ‏{‏إبراهيم القواعد‏}‏ هي جمع قاعدة وهي الأساس والأصل لما فوقه وهي صفة غالبة ومعناها الثابتة‏.‏ ورفع الأساس البناء عليها لأنها إذا بنى عليها نقلت عن هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع وتطاولت بعد التقاصر‏.‏ ‏{‏مِنَ البيت‏}‏ بيت الله وهو الكعبة ‏{‏وإسماعيل‏}‏ هو عطف على إبراهيم وكان ابراهيم يبني وإسماعيل يناوله الحجارة ‏{‏رَبَّنَا‏}‏ أي يقولان ربنا‏.‏ وهذا الفعل في محل النصب على الحال وقد أظهره عبد الله في قراءته ومعناه يرفعانها قائلين ربنا ‏{‏تَقَبَّلْ مِنَّا‏}‏ تقربنا إليك ببناء هذا البيت ‏{‏إِنَّكَ أَنتَ السميع‏}‏ لدعائنا ‏{‏العليم‏}‏ بضمائرنا ونياتنا‏.‏

وفي إبهام القواعد وتبيينها بعد الإبهام تفخيم لشأن المبين‏.‏ ‏{‏رَبَّنَا واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ‏}‏ مخلصين لك أوجهنا من قوله ‏{‏أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 112‏]‏ أو مستسلمين يقال أسلم له واستسلم إذا خضع وأذعن، والمعنى زدنا إخلاصاً وإذعاناً لك‏.‏ ‏{‏وَمِن ذُرّيَّتِنَا‏}‏ واجعل من ذريتنا ‏{‏أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ‏}‏ و«من» للتبعيض أو للتبيين‏.‏ وقيل‏:‏ أراد بالأمة أمة محمد عليه السلام وإنما خصا بالدعاء ذريتهما لأنهم أولى بالشفقة كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً‏}‏ ‏[‏التحريم‏:‏ 6‏]‏‏.‏ ‏{‏وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا‏}‏ منقول من «رأى» بمعنى أبصر أو عرف ولذا لم يتجاوز مفعولين أي وبصرنا متعبداتنا في الحج أو عرفناها‏.‏ وواحد المناسك منسك بفتح السين وكسرها وهو المتعبد ولهذا قيل للعابد ناسك‏.‏ «وأرنا»‏:‏ مكي قاسه على فخذ في فخذ، وأبو عمرو يشم الكسرة‏.‏ ‏{‏وَتُبْ عَلَيْنَا‏}‏ ما فرط منا من التقصير أو استتاباً لذريتهما ‏{‏إِنَّكَ أَنتَ التواب الرحيم * رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ‏}‏ في الأمة المسلمة ‏{‏رَسُولاً مِّنْهُمْ‏}‏ من أنفسهم فبعث الله فيهم محمداً عليه السلام، قال عليه السلام ‏"‏ أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ورؤيا أمي ‏"‏ ‏{‏يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آياتك‏}‏ يقرأ عليهم ويبلغهم ما توحي إليه من دلائل وحدانيتك وصدق أنبيائك ورسلك ‏{‏وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب‏}‏ القرآن ‏{‏والحكمة‏}‏ السنة وفهم القرآن ‏{‏وَيُزَكّيهِمْ‏}‏ ويطهرهم من الشرك وسائر الأرجاس ‏{‏إِنَّكَ أَنتَ العزيز‏}‏ الغالب الذي لا يغلب ‏{‏الحكيم‏}‏ فيما أوليت‏.‏

‏{‏وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إبراهيم‏}‏ استفهام بمعنى الجحد وإنكار أن يكون في العقلاء من يرغب عن الحق الواضح الذي هو ملة إبراهيم‏.‏ والملة السنة والطريقة كذا عن الزجاج ‏{‏إِلاَّ مَنْ‏}‏ في محل الرفع على البدل من الضمير في «يرغب»، وصح البدل لأن من يرغب غير موجب كقولك «هل جاءك أحد إلا زيد» والمعنى وما يرغب عن ملة إبراهيم إلا من ‏{‏سَفِهَ نَفْسَهُ‏}‏ أي جهل نفسه أي لم يفكر في نفسه‏.‏ فوضع سفه موضع جهل وعدي كما عدي، أو معناه سفه في نفسه فحذف في كما حذف «من» في قوله ‏{‏واختار موسى قَوْمَهُ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 155‏]‏ أي من قومه، وعلى في قوله‏:‏ ‏{‏وَلا تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النكاح‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 235‏]‏‏.‏ أي على عقدة النكاح والوجهان عن الزجاج‏.‏ وقال الفراء‏:‏ هو منصوب على التمييز وهو ضعيف لكونه معرفة‏.‏ ‏{‏وَلَقَدِ اصطفيناه فِي الدنيا وَإِنَّهُ فِى الآخرة لَمِنَ الصالحين‏}‏ بيان لخطأ رأي من يرغب عن ملته لأن من جمع كرامة الدارين لم يكن أحد أولى بالرغبة من طريقته منه ‏{‏إِذْ قَالَ‏}‏ ظرف لاصطفيناه، أو انتصب بإضمار «اذكر» كأنه قيل‏:‏ اذكر ذلك الوقت لتعلم أنه المصطفى الصالح الذي لا يرغب عن ملة مثله‏.‏

‏{‏لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ‏}‏ أذعن أو أطع أو أخلص دينك لله ‏{‏قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ العالمين‏}‏ أي أخلصت أو انقدت‏.‏

‏{‏ووصى‏}‏ «وأوصى» مدني وشامي‏.‏ ‏{‏بِهَا‏}‏ بالملة أو بالكلمة وهي أسلمت لرب العالمين ‏{‏إبراهيم بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ‏}‏ هو معطوف على إبراهيم داخل في حكمه والمعنى ووصى بها يعقوب بنيه أيضاً ‏{‏يَا بَنِىَّ‏}‏ على إضمار القول ‏{‏إِنَّ الله اصطفى لَكُمُ الدين‏}‏ أي أعطاكم الدين الذي هو صفوة الأديان وهو دين الإسلام ووفقكم للأخذ به ‏{‏فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ‏}‏ فلا يكن موتكم إلا على حال كونكم ثابتين على الإسلام، فالنهي في الحقيقة عن كونهم على خلاف حال الإسلام إذا ماتوا كقولك «لا تصلّ إلا وأنت خاشع» فلا تنهاه عن الصلاة ولكن عن ترك الخشوع في صلاته‏.‏

‏{‏أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الموت‏}‏ أم منقطعة ومعنى الهمزة فيها الإنكار‏.‏ والشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر أي ما كنتم حاضرين يعقوب عليه السلام إذ حضره الموت أي حين احتضر، والخطاب للمؤمنين بمعنى ما شهدتم ذلك وإنما حصل لكم العلم به من طريق الوحي‏.‏ أو متصله ويقدر قبلها محذوف والخطاب لليهود لأنهم كانوا يقولون ما مات نبي إلا على اليهودية كأنه قيل‏:‏ أتدّعون على الأنبياء اليهودية أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت ‏{‏إِذْ قَالَ‏}‏ بدل من «إذ» الأولى والعامل فيهما شهداء أو ظرف ل «حضر» ‏{‏لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ‏}‏ ما استفهام في محل النصب ب «تعبدون» أي أيّ شيء تبعدون‏؟‏ و«ما» عام في كل شيء أو هو سؤال عن صفة المعبود كما تقول «ما زيد» تريد أفقيه أم طبيب‏.‏ ‏{‏مِن بَعْدِى‏}‏ من بعد موتي‏.‏ ‏{‏قَالُواْ نَعْبُدُ إلهك وإله آبَائِكَ‏}‏ أعيد ذكر الإله لئلا يعطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار‏.‏ ‏{‏إبراهيم وإسماعيل وإسحاق‏}‏ عطف بيان لآبائك، وجعل إسماعيل من جملة آبائه وهو عمه لأن العم أب قال عليه السلام في العباس ‏"‏ هذا بقية آبائي ‏"‏‏.‏ ‏{‏إلها واحدا‏}‏ بدل من إله آبائك كقوله‏:‏ ‏{‏بالناصية * نَاصِيَةٍ كاذبة‏}‏ ‏[‏العلق‏:‏ 15، 16‏]‏ أو نصب على الاختصاص أي نريد بإله آبائك إلهاً واحداً‏.‏ ‏{‏وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ‏}‏ حال من فاعل «نعبد» أو جملة معطوفة على «نعبد» أو جملة اعتراضية مؤكدة‏.‏ ‏{‏تِلْكَ‏}‏ إشارة إلى الأمة المذكورة التي هي إبراهيم ويعقوب وبنوهما الموحدون ‏{‏أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ‏}‏ مضت ‏{‏لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُم‏}‏ أي إن أحداً لا ينفعه كسب غيره متقدماً كان أو متأخراً، فكما أن أولئك لا ينفعهم إلا ما اكتسبوا فكذلك أنتم لا ينفعكم إلا ما اكتسبتم وذلك لافتخارهم بآبائهم ‏{‏وَلاَ تُسْئَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ‏}‏ ولا تؤاخذون بسيئاتهم‏.‏

‏{‏وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نصارى‏}‏ أي قالت اليهود كونوا هوداً وقالت النصارى كونوا نصارى‏.‏ وجزم ‏{‏تَهْتَدُواْ‏}‏ لأنه جواب الأمر‏.‏ ‏{‏قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبراهيم‏}‏ بل نتبع ملة إبراهيم ‏{‏حَنِيفاً‏}‏ حال من المضاف إليه نحو «رأيت وجه هند قائمة»‏.‏ والحنيف المائل عن كل دين باطل إلى دين الحق‏.‏ ‏{‏وَمَا كَانَ مِنَ المشركين‏}‏ تعريض بأهل الكتاب وغيرهم لأن كلاًّ منهم يدعي اتباع ملة إبراهيم وهو على الشرك‏.‏ ‏{‏قُولُواْ‏}‏ هذا خطاب للمؤمنين أو للكافرين أي قولوا لتكونوا على الحق وإلا فأنتم على الباطل ‏{‏آمَنَّا بالله وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا‏}‏ أي القرآن ‏{‏وَمَا أُنزِلَ إِلَى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وَيَعْقُوبَ والأسباط‏}‏ السبط الحافد وكان الحسن والحسين سبطي رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأسباط حفدة يعقوب ذراري أبنائه الاثني عشر‏.‏ ويعدى «أنزل» ب «إلى» و«على» فلذا ورد هنا ب «إلى» وفي آل عمران ب«على» ‏{‏وَمَا أُوتِىَ موسى وعيسى وَمَا أُوتِيَ النبيون مِن رَّبّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ‏}‏ أي لا نؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى‏.‏ وأحد في معنى الجماعة ولذا صح دخول بين عليه‏.‏ ‏{‏وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ‏}‏ لله مخلصون ‏{‏فَإِنْ ءَامَنُواْ بِمِثْلِ مَا ءَامَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهتدوا‏}‏ ظاهر الآية مشكل لأنه يوجب أن يكون لله تعالى مثل وتعالى عن ذلك‏.‏ فقيل‏:‏ الباء زائدة و«مثل» صفة مصدر محذوف تقديره فإن آمنوا إيماناً مثل إيمانكم والهاء يعود إلى الله عز وجل، وزيادة الباء غير عزيز قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين كَسَبُواْ السيئات جَزَاء سَيّئَةٍ بِمِثْلِهَا‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 27‏]‏ والتقدير جزاء سيئة مثلها كقوله في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 40‏]‏ وقيل‏:‏ المثل زيادة أي فإن آمنوا بما آمنتم به يؤيده قراءة ابن مسعود رضي الله عنه بما آمنتم به‏.‏ و«ما» بمعنى «الذي» بدليل قراءة أبي «بالذي آمنتم به»‏.‏ وقيل‏:‏ الباء للاستعانة كقولك «كتبت بالقلم» أي فإن دخلوا في الإيمان بشهادة مثل شهادتكم التي آمنتم بها ‏{‏وإن تَوَلَّوْا‏}‏ عما تقولون لهم ولم ينصفوا أو إن تولوا عن الشهادة والدخول في الإيمان بها ‏{‏فإنّما هم في شقاقٍ‏}‏ أي فما هم إلا في خلاف وعداوة وليسوا من طلب الحق في شيء ‏{‏فَسَيَكْفِيكَهُمُ الله‏}‏ ضمان من الله لإظهار رسوله عليهم وقد أنجز وعده بقتل بعضهم وإجلاء بعضهم، ومعنى السين أن ذلك كائن لا محالة وإن تأخر إلى حين‏.‏ ‏{‏وَهُوَ السميع‏}‏ لما ينطقون به ‏{‏العليم‏}‏ بما يضمرون من الحسد والغل وهو معاقبهم عليه فهو وعيد لهم، أو وعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي يسمع ما تدعو به ويعلم نيتك وما تريده من إظهار دين الحق وهو مستجيب لك وموصلك إلى مرادك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏138- 143‏]‏

‏{‏صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ ‏(‏138‏)‏ قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ ‏(‏139‏)‏ أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ‏(‏140‏)‏ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏141‏)‏ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ‏(‏142‏)‏ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ‏(‏143‏)‏‏}‏

‏{‏صِبْغَةَ الله‏}‏ دين الله وهو مصدر مؤكد منتصب عن قوله‏:‏ «آمنا بالله»‏.‏ وهي فعلة من صبغ كالجلسة من جلس وهي الحالة التي يقع عليها الصبغ، والمعنى تطهير الله لأن الإيمان يطهر النفوس‏.‏ والأصل فيه أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية ويقولون هو تطهير لهم فإذا فعل الواحد منهم بولده ذلك قال الآن صار نصرانياً حقاً، فأمر المسلمون بأن يقولوا لهم‏:‏ آمنا بالله وصبغنا الله بالإيمان صبغته ولم نصبغ صبغتكم‏.‏ وجيء بلفظ الصبغة للمشاكلة كقولك لمن يغرس الأشجار إغرس كما يغرس فلان تريد رجلاً يصطنع الكرم‏.‏ ‏{‏وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله صِبْغَةً‏}‏ تمييز أي لا صبغة أحسن من صبغته يريد الدين أو التطهير‏.‏ ‏{‏وَنَحْنُ لَهُ عابدون‏}‏ عطف على «آمنا بالله» وهذا العطف يدل على أن قوله‏:‏ «صبغة الله» داخل في مفعول «قولوا آمنا» أي قولوا هذا وهذا «ونحن له عابدون» ويردّ قول من زعم أن صبغة الله بدل من «ملة إبراهيم» أو نصب على الإغراء بمعنى عليكم صبغة الله لما فيه من فك النظم وإخراج الكلام عن التئامه‏.‏ وانتصابها على أنها مصدر مؤكد هو الذي ذكره سيبويه والقول ما قالت حذام‏.‏

‏{‏قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِى اللَّهِ‏}‏ أي أتجادلوننا في شأن الله واصطفائه النبي من العرب دونكم وتقولون لو أنزل الله على أحد لأنزل علينا وترونكم أحق بالنبوة منا ‏{‏وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ‏}‏ نشرك جميعاً في أننا عباده وهو ربنا وهو يصيب برحمته وكرامته من يشاء من عباده ‏{‏وَلَنَا أعمالنا وَلَكُمْ أعمالكم‏}‏ يعني أن العمل هو أساس الأمر وكما أن لكم أعمالاً فلنا كذلك ‏{‏وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ‏}‏ أي نحن له موحدون نخصه بالإيمان وأنتم به مشركون، والمخلص أحرى بالكرامة وأولى بالنبوة من غيره‏.‏ ‏{‏أَمْ تَقُولُونَ‏}‏ بالتاء شامي وكوفي غير أبي بكر‏.‏ و«أم» على هذا معادلة للهمزة في «أتحاجوننا» يعني أي الأمرين تأتون‏:‏ المحاجة في حكم الله أم إدعاء اليهودية والنصرانية على الأنبياء‏؟‏ أو منقطعة أي بل أتقولون‏.‏ «يقولون»‏:‏ غيرهم بالياء، وعلى هذا لا تكون الهمزة إلا منقطعة‏.‏ ‏{‏إِنَّ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوْ نصارى‏}‏ ثم أمر نبيه عليه السلام أن يقول مستفهماً راداً عليهم بقوله‏:‏ ‏{‏قُلْ ءَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ الله‏}‏ يعني أن الله شهد لهم بملة الإسلام في قوله‏:‏ ‏{‏مَا كَانَ إبراهيم يَهُودِيّا وَلاَ نَصْرَانِيّا وَلَكِن حَنِيفًا مُّسْلِمًا‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 67‏]‏‏.‏ ‏{‏وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شهادة عِندَهُ مِنَ الله‏}‏ أي كتم شهادة الله التي عنده أنه شهد بها وهي شهادة الله لإبراهيم بالحنيفية‏.‏ والمعنى أن أهل الكتاب لا أحد أظلم منهم لأنهم كتموا هذه الشهادة وهم عالمون بها، أو أنا لو كتمنا هذه الشهادة لم يكن أحد أظلم منا فلا نكتمها‏.‏

وفيه تعريض بكتمانهم شهادة الله لمحمد عليه السلام بالنبوة في كتبهم وسائر شهاداته‏.‏ و«من» في قوله «من الله» مثلها في قولك «هذه شهادة مني لفلان» إذا شهدت له في أنها صفة لها‏.‏ ‏{‏وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ‏}‏ من تكذيب الرسل وكتمان الشهادة‏.‏ ‏{‏تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُم وَلاَ تُسْئَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ‏}‏ كررت للتأكيد أو لأن المراد بالأول الأنبياء عليهم السلام وبالثاني أسلاف اليهود والنصارى‏.‏

‏{‏سَيَقُولُ السفهاء مِنَ الناس‏}‏ الخفاف الأحلام فأصل السفه الخفة، وهم اليهود لكراهتهم التوجه إلى الكعبة وأنهم لا يرون النسخ، أو المنافقون لحرصهم على الطعن والاستهزاء، أو المشركون لقولهم «رغب عن قبلة آبائه ثم رجع إليها والله ليرجعن إلى دينهم»‏.‏ وفائدة الإخبار بقولهم قبل وقوعه توطين النفس إذ المفاجأة بالمكروه أشد، وإعداد الجواب قبل الحاجة إليه أقطع للخصم فقبل الرمي يراش السهم‏.‏ ‏{‏مَا ولاهم‏}‏ ما صرفهم ‏{‏عَن قِبْلَتِهِمُ التى كَانُواْ عَلَيْهَا‏}‏ يعنون بيت المقدس‏.‏ والقبلة الجهة التي يستقبلها الإنسان في الصلاة لأن المصلي يقابلها ‏{‏قُل لّلَّهِ المشرق والمغرب‏}‏ أي بلاد المشرق والمغرب والأرض كلها له ‏{‏يَهْدِى مَن يَشَآءُ‏}‏ من أهلها ‏{‏إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ‏}‏ طريق مستوٍ‏.‏ أي يرشد من يشاء إلى قبلة الحق وهي الكعبة التي أمرنا بالتوجه إليها، أو الأماكن كلها لله فيأمر بالتوجه إلى حيث شاء فتارة إلى الكعبة وطوراً إلى بيت المقدس لا اعتراض عليه لأنه المالك وحده‏.‏ ‏{‏وكذلك جعلناكم‏}‏ ومثل ذلك الجعل العجيب جعلناكم فالكاف للتشبيه و«ذا» جر بالكاف واللام للفرق بين الإشارة إلى القريب والإشارة إلى البعيد والكاف للخطاب لا محل لها من الإعراب‏.‏ ‏{‏أُمَّةً وَسَطًا‏}‏ خياراً‏.‏ وقيل‏:‏ للخيار وسط لأن الأطراف يتسارع إليها الخلل والأوساط محمية أي كما جعلت قبلتكم خير القبل جعلتكم خير الأمم، أو عدولاً لأن الوسط عدل بين الأطراف ليس إلى بعضها أقرب من بعض‏.‏ أي كما جعلنا قبلتكم متوسطة بين المشرق والمغرب جعلناكم أمة وسطاً بين الغلو والتقصير فإنكم لم تغلوا غلو النصارى حيث وصفوا المسيح بالألوهية، ولم تقصروا تقصير اليهود حيث وصفوا مريم بالزنا وعيسى بأنه ولد الزنا ‏{‏لّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ‏}‏ غير منصرف لمكان ألف التأنيث ‏{‏عَلَى الناس‏}‏ صلة شهداء ‏{‏وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا‏}‏ عطف على «لتكونوا»‏.‏ روي أن الأمم يوم القيامة يجحدون تبليغ الأنبياء فيطالب الله الأنبياء بالبينة على أنهم قد بلغوا وهو أعلم فيؤتى بأمة محمد عليه السلام فيشهدون فتقول الأمم‏:‏ من أين عرفتم‏؟‏ فيقولون‏:‏ علمنا ذلك بإخبار الله تعالى في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق، فيؤتى بمحمد عليه السلام فيسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بعدالتهم‏.‏

والشهادة قد تكون بلا مشاهدة كالشهادة بالتسامع في الأشياء المعروفة‏.‏ ولما كان الشهيد كالرقيب جيء بكلمة الاستعلاء كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 17‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ لتكونوا شهداء على الناس في الدنيا فيما لا يصح إلا بشهادة العدول الأخيار، ويكون الرسول عليكم شهيداً يزكيكم ويعلم بعدالتكم‏.‏ واستدل الشيخ أبو منصور رحمه الله بالآية على أن الإجماع حجة لأن الله تعالى وصف هذه الأمة بالعدالة، والعدل هو المستحق للشهادة وقبولها فإذا اجتمعوا على شيء وشهدوا به لزم قبوله‏.‏ وأخرت صلة الشهادة أولاً وقدمت آخراً لأن المراد في الأول إثبات شهادتهم على الأمم، وفي الآخر اختصاصهم بكون الرسول شهيداً عليهم‏.‏ ‏{‏وَمَا جَعَلْنَا القبلة التى كُنتَ عَلَيْهَا‏}‏ أي وما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها وهي الكعبة، فالتي كنت عليها ليست بصفة للقبلة بل هي ثاني مفعولي جعل‏.‏ روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي بمكة إلى الكعبة ثم أمر بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس بعد الهجرة تأليفاً لليهود ثم حول إلى الكعبة‏.‏ ‏{‏إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرسول مِمَّن يَنقَلِبُ على عَقِبَيْهِ‏}‏ أي وما جعلنا القبلة التي تحب أن تستقبلها الجهة التي كنت عليها أولاً بمكة إلا امتحاناً للناس وابتلاء لنعلم الثابت على الإسلام الصادق فيه ممن هو على حرف ينكص على عقبيه لقلقه يرجع فيرتد عن الإسلام عند تحويل القبلة‏.‏ قال الشيخ أبو منصور رحمه الله‏:‏ معنى قوله «لنعلم» أي لنعلم كائناً أو موجوداً ما قد علمناه أنه يكون ويوجد، فالله تعالى عالم في الأزل بكل ما أراد وجوده أنه يوجد في الوقت الذي شاء وجوده فيه ولا يوصف بأنه عالم في الأزل بأنه موجود كائن لأنه ليس بموجود في الأزل فكيف يعلمه موجوداً، فإذا صار موجوداً يدخل تحت علمه الأزلي فيصير معلوماً له موجوداً كائناً، والتغير على المعلوم لا على العلم‏.‏ أو لنميز التابع من الناكص كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏لِيَمِيزَ الله الخبيث مِنَ الطيب‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 37‏]‏ فوضع العلم موضع التمييز لأن العلم به يقع التمييز، أو ليعلم رسول الله عليه الصلاة والسلام والمؤمنون، وإنما أسند علمهم إلى ذاته لأنهم خواصه أو هو على ملاطفة الخطاب لمن لا يعلم كقولك لمن ينكر ذوب الذهب «فلنلقه في النار لنعلم أيذوب»‏.‏ ‏{‏وَإِن كَانَتْ‏}‏ أي التحويلة أو الجعلة أو القبلة‏.‏ و«إن» هي المخففة، واللام في ‏{‏لَكَبِيرَةً‏}‏ أي ثقيلة شاقة وهي خبر «كان» واللام فارقة ‏{‏إِلاَّ عَلَى الذين هَدَى الله‏}‏ أي هداهم الله فحذف العائد أي إلا على الثابتين الصادقين في اتباع الرسول‏.‏ ‏{‏وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إيمانكم‏}‏ أي صلاتكم إلى بيت المقدس؛ سمى الصلاة إيماناً لأن وجوبها على أهل الإيمان وقبولها من أهل الإيمان وأداؤها في الجماعة دليل الإيمان‏.‏ ولما توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة قالوا‏:‏ كيف بمن مات قبل التحويل من إخواننا‏؟‏ فنزلت‏.‏ ثم علل ذلك فقال ‏{‏إِنَّ الله بالناس لَرَؤُوفٌ‏}‏ مهموز مشبع‏:‏ حجازي وشامي وحفص‏.‏ «رؤوف» غيرهم بوزن «فَعُل» وهما للمبالغة‏.‏ ‏{‏رَّحِيمٌ‏}‏ لا يضيع أجورهم، والرأفة أشد من الرحمة وجمع بينهما كما في الرحمن الرحيم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏144- 147‏]‏

‏{‏قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ‏(‏144‏)‏ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ‏(‏145‏)‏ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ‏(‏146‏)‏ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ‏(‏147‏)‏‏}‏

‏{‏قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السماء‏}‏ تردد وجهك وتصرف نظرك في جهة السماء‏.‏ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوقع من ربه أن يحوله إلى الكعبة موافقة لإبراهيم ومخالفة لليهود، ولأنها ادعى للعرب إلى الإيمان لأنها مفخرتهم ومزارهم ومطافهم‏.‏ ‏{‏فَلَنُوَلِّيَنَّكَ‏}‏ فلنعطينك ولنمكننك من استقبالها من قولك وليته كذا إذا جعلته والياً له، أو فلنجعلك تلي سمتها دون سمت بيت المقدس‏.‏ ‏{‏قِبْلَةً تَرْضَاهَا‏}‏ تحبها وتميل إليها لأغراضك الصحيحة التي أضمرتها وواقفت مشيئة الله وحكمته‏.‏ ‏{‏فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام‏}‏ أي نحوه‏.‏ و«شطر» نصب على الظرف أي اجعل تولية الوجه تلقاء المسجد أي في جهته وسمته لأن استقبال عين القبلة متعسر على النائي‏.‏ وذكر المسجد الحرام دون الكعبة دليل على أن الواجب مراعاة الجهة دون العين‏.‏ روي أنه عليه السلام قدم المدينة فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً ثم وجه إلى الكعبة‏.‏ ‏{‏وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ‏}‏ من الأرض وأردتم الصلاة ‏{‏فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الذين أُوتُواْ الكتاب لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق‏}‏ أي التحويل إلى الكعبة هو الحق لأنه كان في بشارة أنبيائهم برسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يصلي إلى القبلتين‏.‏ ‏{‏مِن رَّبّهِمْ وَمَا الله بغافل عَمَّا يَعْمَلُونَ‏}‏ بالياء مكي وأبو عمرو ونافع وعاصم، وبالتاء غيرهم‏.‏ فالأول وعيد للكافرين بالعقاب على الجحود والإباء، والثاني وعد للمؤمنين بالثواب على القبول‏.‏ والأداء‏.‏

‏{‏وَلَئِنْ أَتَيْتَ الذين أُوتُواْ الكتاب‏}‏ أراد ذوي العناد منهم ‏{‏بِكُلِّ ءَايَةٍ‏}‏ برهان قاطع أن التوجه إلى الكعبة هو الحق ‏{‏مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ‏}‏ لأن تركهم اتباعك ليس عن شبهة تزيلها بإيراد الحجة إنما هو عن مكابرة وعناد مع علمهم بما في كتبهم من نعتك أنك على الحق‏.‏ وجواب القسم المحذوف سد مسد جواب الشرط‏.‏

‏{‏وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ‏}‏ حسم لأطماعهم إذ كانوا اضطربوا في ذلك قولوا‏:‏ لو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون صاحبنا الذي ننتظره وطمعوا في رجوعه إلى قبلتهم ووحدت القبلة، وإن كان لهم قبلتان فلليهود قبلة وللنصارى قبلة لاتحادهم في البطلان‏.‏ ‏{‏وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ‏}‏ يعني أنهم مع اتفاقهم على مخالفتك مختلفون في شأن القبلة لا يرجى اتفاقهم كما لا ترجى موافقتهم لك، فاليهود تستقبل بيت المقدس، والنصارى مطلع الشمس‏.‏ ‏{‏وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءَهُم مّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العلم‏}‏ أي من بعد وضوح البرهان والإحاطة بأن القبلة هي الكعبة وأن دين الله هو الإسلام ‏{‏إِنَّكَ إِذَا لَّمِنَ الظالمين‏}‏ لمن المرتكبين الظلم الفاحش‏.‏ وفي ذلك لطف للسامعين وتهييج للثبات على الحق وتحذير لمن يترك الدليل بعد إنارته ويتبع الهوى‏.‏

وقيل‏:‏ الخطاب في الظاهر للنبي عليه السلام والمراد أمته، ولزم الوقف على «الظالمين» إذ لو وصل لصار ‏{‏الذين ءاتيناهم الكتاب‏}‏ صفة للظالمين‏.‏ وهو مبتدأ والخبر ‏{‏يَعْرِفُونَهُ‏}‏ أي محمداً عليه السلام أو القرآن أو تحويل القبلة‏.‏ والأول أظهر لقوله ‏{‏كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ‏}‏ قال عبد الله بن سلام‏:‏ أنا أعلم به مني بابني فقال له عمر‏:‏ ولم‏؟‏ قال‏:‏ لأني لست أشك في محمد أنه نبي فأما ولدي فلعل والدته خانت فقبل عمر رأسه‏.‏ ‏{‏وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ‏}‏ أي الذين لم يسلموا ‏{‏لَيَكْتُمُونَ الحق‏}‏ حسداً وعناداً ‏{‏وَهُمْ يَعْلَمُونَ‏}‏ لأن الله تعالى بينه في كتابهم‏.‏ ‏{‏الحق‏}‏ مبتدأ خبره ‏{‏مِن رَبَِكَ‏}‏ واللام للجنس أي الحق من الله لا من غيره‏.‏ يعني أن الحق ما ثبت أنه من الله كالذي أنت عليه، وما لم يثبت أنه من الله كالذي عليه أهل الكتاب فهو الباطل، أو للعهد والإشارة إلى الحق الذي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو خبر مبتدأ محذوف أي هو الحق ومن ربك خبر بعد خبر أو حال‏.‏ ‏{‏فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين‏}‏ الشاكين في أنه من ربك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏148- 151‏]‏

‏{‏وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏148‏)‏ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ‏(‏149‏)‏ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ‏(‏150‏)‏ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ‏(‏151‏)‏‏}‏

‏{‏وَلِكُلٍّ‏}‏ من أهل الأديان المختلفة‏.‏ ‏{‏وِجْهَةٌ‏}‏ قبلة‏.‏ وقرئ بها‏.‏ والضمير في ‏{‏هُوَ‏}‏ لكل‏.‏ وفي ‏{‏مُوَلِّيهَا‏}‏ للوجهة‏.‏ أي هو موليها وجهة فحذف أحد المفعولين أو هو لله تعالى‏.‏ أي الله موليها إياه‏.‏ «هو مولاها»‏:‏ شامي أي هو مولى تلك الجهة قد وليها‏.‏ والمعنى ولكل أمة قبلة يتوجه إليها منكم ومن غيركم‏.‏ ‏{‏فَاسْتَبِقُوا‏}‏ أنتم ‏{‏الخَيْرَاتِ‏}‏ فاستبقوا إليها غيركم من أمر القبلة وغيره‏.‏ ‏{‏أَيْنَ مَا تَكُونُواْ‏}‏ أنتم وأعداؤكم ‏{‏يَأْتِ بِكُمُ الله جَمِيعًا‏}‏ يوم القيامة فيفصل بين المحقق والمبطل، أو ولكل منكم يا أمة محمد وجهة يصلي إليها جنوبية أو شمالية أو شرقية أو غربية، فاستقبلوا الفاضلات من الجهات وهي الجهات المسامتة للكعبة وإن اختلفت أينما تكونوا من الجهات المختلفة يأت بكم الله جميعاً ويجمعكم ويجعل صلاتكم كأنها إلى جهة واحدة وكأنكم تصلون حاضري المسجد الحرام‏.‏ ‏{‏إِنَّ الله على كُلِّ شَئ قَدِيرٌ * وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ‏}‏ ومن أي بلد خرجت للسفر ‏{‏فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام‏}‏ إذا صليت‏.‏

‏{‏وَإِنَّهُ‏}‏ وإن هذا المأمور به ‏{‏لَلْحَقُّ مِن رَّبّكَ وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ‏}‏ وبالياء‏:‏ أبو عمرو‏.‏

‏{‏وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ‏}‏ وهذا التكرير لتأكيد أمر القبلة وتشديده لأن النسخ من مظان الفتنة والشبهة فكرر عليهم ليثبتوا على أنه نيط بكل واحد ما لم ينط بالآخر فاختلفت فوائدها ‏{‏لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ‏}‏ أي قد عرّفكم الله جل ذكره أمر الاحتجاج في القبلة بما قد بين في قوله‏:‏ ‏{‏ولكل وجهة هو موليها‏}‏ لئلا يكون للناس لليهود عليكم حجة في خلاف ما في التوراة من تحويل القبلة‏.‏ وأطلق اسم الحجة على قول المعاندين لأنهم يسوقونه سياق الحجة‏.‏ ‏{‏إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ‏}‏ استثناء من «الناس» أي لئلا يكون حجة لأحد من اليهود إلا المعاندين منهم القائلين ما ترك قبلتنا إلى الكعبة إلا ميلاً إلى دين قومه وحباً لبلده، ولو كان على الحق للزم قبلة الأنبياء عليهم السلام‏.‏ أو معناه لئلا يكون للعرب عليكم حجة واعتراض في ترككم التوجه إلى الكعبة التي هي قبلة إبراهيم وإسماعيل أبي العرب إلا الذين ظلموا منهم وهم أهل مكة حين يقولون بدا له فرجع إلى قبلة آبائه، ويوشك أن يرجع إلى دينهم‏.‏ ثم استأنف منبهاً بقوله‏:‏ ‏{‏فَلاَ تَخْشَوْهُمْ‏}‏ فلا تخافوا مطاعنهم في قبلتكم فإنهم لا يضرونكم ‏{‏واخشونى‏}‏ فلا تخالفوا أمري ‏{‏وَلأُِتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ‏}‏ أي عرفتكم لئلا يكون عليكم حجة ولأتم نعمتي عليكم بهدايتي إياكم إلى الكعبة‏.‏ ‏{‏وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ‏}‏ ولكي تهتدوا إلى قبلة إبراهيم‏.‏

الكاف في ‏{‏كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ‏}‏ إما أن يتعلق بما قبله أي ولأتم نعمتي عليكم في الآخرة بالثواب كما أتممتها عليكم في الدنيا بإرسال الرسول، أو بما بعده أي كما ذكرتكم بإرسال الرسول فاذكروني بالطاعة أذكركم بالثواب، فعلى هذا يوقف على «تهتدون» وعلى الأول لا‏.‏ ‏{‏رَسُولاً مِّنْكُمْ‏}‏ من العرب ‏{‏يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ‏}‏ يقرأ عليكم ‏{‏ءاياتنا‏}‏ القرآن ‏{‏وَيُزَكِيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الكتاب‏}‏ القرآن ‏{‏والحكمة‏}‏ السنة والفقه ‏{‏وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ‏}‏ ما لا سبيل إلى معرفته إلا بالوحي‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏152- 158‏]‏

‏{‏فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ‏(‏152‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ‏(‏153‏)‏ وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ ‏(‏154‏)‏ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ‏(‏155‏)‏ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ‏(‏156‏)‏ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ‏(‏157‏)‏ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ‏(‏158‏)‏‏}‏

«فاذكروني» بالمعذرة ‏{‏أَذْكُرْكُمْ‏}‏ بالمغفرة أو بالثناء والعطاء، أو بالسؤال والنوال، أو بالتوبة وعفو الحوبة، أو بالإخلاص والخلاص، أو بالمناجاة والنجاة‏.‏ ‏{‏واشكروا لِي‏}‏ ما أنعمت به عليكم ‏{‏وَلاَ تَكْفُرُونِ‏}‏ ولا تجحدوا نعمائي‏.‏

‏{‏يَأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ استعينوا بالصبر‏}‏ فبه تنال كل فضيلة ‏{‏والصلاة‏}‏ فإنها تنهى عن كل رذيلة ‏{‏إِنَّ الله مَعَ الصابرين‏}‏ بالنصر والمعونة ‏{‏وَلاَ تَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبيلِ الله‏}‏ نزلت في شهداء بدر وكانوا أربعة عشر رجلاً‏.‏ ‏{‏أَمْوَاتٌ‏}‏ أي هم أمواتٍ ‏{‏بَلْ أَحْيَاء‏}‏ أي هم أحياء ‏{‏وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ‏}‏ لا تعلمون ذلك لأن حياة الشهيد لا تعلم حساً‏.‏ عن الحسن رضي الله عنه أن الشهداء أحياء عند الله تعرض أرزاقهم على أرواحهم فيصل إليهم الروح والفرح كما تعرض النار على أرواح آل فرعون غدواً وعشياً فيصل إليهم الوجع‏.‏ وعن مجاهد‏:‏ يرزقون ثمر الجنة ويجدون ريحها وليسوا فيها‏.‏ ‏{‏وَلَنَبْلُوَنَّكُم‏}‏ ولنصيبنكم بذلك إصابة تشبه فعل المختبر لأحوالكم هل تصبرون على ما أنتم عليه من الطاعة أم لا‏.‏ ‏{‏بِشَئ‏}‏ بقليل من كل واحدة من هذه البلايا وطرف منه‏.‏ وقلل ليؤذن أن كل بلاء أصاب الإنسان وإن جل ففوقه ما يقل إليهم، ويريهم أن رحمته معهم في كل حال، وأعلمهم بوقوع البلوى قبل وقوعها ليوطنوا نفوسهم عليها‏.‏ ‏{‏مِّنَ الخوف‏}‏ خوف الله والعدو ‏{‏والجوع‏}‏ أي القحط أو صوم شهر رمضان ‏{‏وَنَقْصٍ مِّنَ الأموال‏}‏ بموت المواشي أو الزكاة، وهو عطف على شيء، أو على الخوف أي وشيء من نقص الأموال‏.‏ ‏{‏والأنفس‏}‏ بالقتل والموت‏.‏ أو بالمرض والشيب ‏{‏والثمرات‏}‏ ثمرات الحرث أو موت الأولاد لأن الولد ثمرة الفؤاد ‏{‏وَبَشِّرِ الصابرين‏}‏ على هذه البلايا أو المسترجعين عند البلايا لأن الاسترجاع تسليم وإذعان وفي الحديث من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته وأحسن عقباه وجعل له خلفاً صالحاً يرضاه‏.‏ وطفئ سراج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏"‏ إنا لله وإنا إليه راجعون ‏"‏ فقيل‏:‏ أمصيبة هي‏؟‏ قال‏.‏ ‏"‏ نعم كل شيء يؤذي المؤمن فهو مصيبة ‏"‏‏.‏ والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل من يتأتى منه البشارة‏.‏ ‏{‏الذين‏}‏ نصب صفة للصابرين‏.‏ ولا وقف عليه بل يوقف على «راجعون»‏.‏ ومن ابتدأ ب «الذين» وجعل الخبر «أولئك» يقف على «الصابرين» لا على «راجعون»‏.‏ والأول الوجه لأن الذين وما بعده بيان للصابرين‏.‏ ‏{‏إِذَا أصابتهم مُّصِيبَةٌ‏}‏ مكروه‏.‏ اسم فاعل من أصابته شدة أي لحقته‏.‏ ولا وقف على «مصيبة» لأن ‏{‏قَالُواْ‏}‏ جواب «إذا» و«إذا» وجوابها صلة «الذين»‏.‏ ‏{‏إِنَّا لِلَّهِ‏}‏ إقرار له بالملك‏.‏ ‏{‏وَإِنَّا إِلَيْهِ راجعون‏}‏ إقرار على نفوسنا بالهلك‏.‏ ‏{‏أولئك عَلَيْهِمْ صلوات مّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ‏}‏ الصلاة‏:‏ الحنو والتعطف فوضعت موضع الرأفة، وجمع بينها وبين الرحمة كقوله ‏{‏رَأْفَةً وَرَحْمَةً‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 27‏]‏ ‏{‏رَءُوفٌ رَّحِيمٌ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 117‏]‏‏.‏ والمعنى عليهم رأفة بعد رأفة ورحمة بعد رحمة‏.‏ ‏{‏وأولئك هُمُ المهتدون‏}‏ لطريق الصواب حيث استرجعوا وأذعنوا لأمر الله‏.‏ قال عمر رضي الله عنه‏:‏ نعم العدلان ونعم العلاوة أي الصلاة والرحمة والاهتداء‏.‏